كتاب عربي 21

إبادة جماعية لا نهائية

شهيد بولسين
1300x600
1300x600
صدر الجمعة الماضية تقرير للأمم المتحدة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب في ميانمار ضد مسلمي الروهينغيا، وتناول التقرير تفاصيل العنف المنهجي ضد المدنيين، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي من قبل قوات الأمن، وقتل الأطفال. وفي وقت لاحق من تلك الليلة بثت شبكة "CNN" تقريرا حول بعض متشددي الروهينغيا المشاركين في تمرد عنيف في ولاية أراكان في ميانمار، حيث يتم قمع الأقلية المسلمة بمنتهى القسوة. وهنا لا بد علينا أن نتفق، على مضض، مع تأكيدات دونالد ترامب بأن CNN ليست إلا "أخبارا مزورة".
 
وغالبا ما يشار إلى الروهينغيا بأنهم "الأقلية الأكثر تعرضا للاضطهاد في العالم"، وهناك سبب وجيه لذلك، ففي عام 1982 تم تجريدهم من جنسيتهم، وبين عشية وضحاها تحولت كل العائلات التي كانت تعيش في ميانمار منذ مئات السنين إلى "مهاجرين غير شرعيين" وأصبحوا عديمي الجنسية... كل وجودهم في حد ذاته تم إبطاله. وطبعا هذا الطمس القانوني لوضعهم كمواطنين فتح عليهم بوابات جهنم من التمييز المتشدد والوحشية. فالروهينغيا ليست لديهم حرية حركة، ولا حقوق ملكية، ويجدون صعوبة كبيرة حتى في الإقدام على الزواج من الناحية القانونية. فهم يتعرضون للهجوم بشكل منتظم ومنازلهم وقراهم يتم حرقها بالكامل، ويضطرون حرفيا للعمل بالسخرة ويتم اغتصاب النساء من قبل الجنود والمدنيين البوذيين بدون أي عقاب. باختصار، فقد تم تصنيفهم رسميا كمثيرين للاشمئزاز ومحتقرين وعرضة للتخلص منهم.
 
وعلى الرغم من كل هذا، فالروهينغيا كمجتمع، لم يتحولوا إلى العنف، وحتى مع ظهور جماعة مسلحة لغرض الدفاع عن النفس، إلا أنها صغيرة جدا وغير منظمة ولا تمتلك إلا أسلحة بدائية، وبلا أي مصدر للتمويل، وليست على صلة بأي من الشبكات الجهادية العالمية. ومع كل هذا، فإلى حد كبير، الروهينغيا لا يريدون أن تكون لهم أي صلة بهم. ينبغي أن يكون واضحا أن أي نوع من التمرد المسلح سيكون انتحاريا في ولاية أراكان، وأن الرغبة في تضخيم وجود وتأثير أي متشددين بين الروهينغيا يجب أن يوضح مدى فائدة المقاومة المسلحة للسلطات. ويؤكد تقرير الأمم المتحدة بشكل أكثر وضوحا من أي وقت مضى إلى أي مدى يعتبر الروهينغيا ضحايا عاجزين أمام عنف الدولة، لذا فتصويرهم كتهديد أمني خطير من شأنه أن يفعل الأفاعيل في تقويض أي تعاطف تجاههم، وينهي أي انتقادات ضد للنظام. ففي عهد "الترامبوية" العالمية، نجد أن الروهينغيا ستوجه إليهم على الأقل ضربتان: ضربة لكونهم مسلمين، وضربة لأنهم يتم تصنيفهم على أنهم من المهاجرين.
 
لِمَ إذا يحتمل جدا أن تتبنى وسائل الإعلام الغربية سردية حكومة ميانمار؟ ولم يكن تجريد الروهينغيا من إنسانيتهم واضطهادهم مفيدا لأي شخص خارج ميانمار؟ حسنا إليكم السبب، فبعد عقود من العزلة الاقتصادية من الغرب، راحت ميانمار مؤخرا تعمل على الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي. فتبنت الحكومة سياسات نيوليبرالية وإصلاحات اقتصادية كلية "موصى بها" من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومن ثم تم رفع العقوبات، وتدفقت الشركات متعددة الجنسيات داخل البلاد أفواجا. ميانمار تعتبر جغرافيا "مفترق طرق"، وهذا سيوفر للمستثمرين إمكانية الوصول الفوري لما لا يقل عن نصف مليار مستخدم في المنطقة. وتمتلك ميانمار الغاز الطبيعي والنفط والأحجار الكريمة، والأراضي الصالحة للزراعة. أما ولاية أراكان فهي تمتلك على وجه التحديد واحدا من أطول السواحل في البلاد، مما يجعلها مثالية للتجارة والسياحة المحتملة.

في الواقع، إحدى المناطق التي قام الجيش بطرد الروهينغيا منها في الآونة الأخيرة تحت مسمى "عمليات التطهير"؛ تم تخصيصها فورا لإنشاء "منطقة اقتصادية خاصة" للشركات الأجنبية. أما الصين (وهي أكبر مستثمر أجنبي في ميانمار)، فقد بدأت في تشييد خط أنابيب للنفط عبر أراكان في عام 2009، مما تسبب في مصادرة أراضي شاسعة وتشريد الكثير من الأهالي. والخارجية الحالية للاستثمار المباشر (FDI) في ميانمار تعتبر في مستوى قياسي من الصعود، مع ما يقرب من ضعف ذروتها السابقة في عام 2014.
 
وجاءت التداعيات الاقتصادية للمسار النيوليبرالي للحكومة في شكل تكثيف للفقر واتساع للفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتزايد الاستياء بين الشباب في كل مكان في البلاد. وكل هذا جعل الأمر ملحا جدا للنظام أن يقوم بتحويل مسار الغضب الشعبي، خاصة مع زيادة القمع، ولا سيما في المناطق التي لها أهمية اقتصادية حيوية. وبالتالي، فوجود شريحة من السكان تتم كراهيتها رسميا جاء في الوقت المناسب.
 
هذا صحيح بشكل خاص في ولاية أراكان، التي تعد واحدة من أفقر المناطق في ميانمار، والتي يعتبر سكانها متميزين عرقيا عن النخب الحاكمة في يانجون. فأراكان لديها تاريخ من المشاعر الانفصالية، وبطبيعة الحال، فأي حكم ذاتي أو مستقل سيكون مدمرا للاقتصاد ميانمار إن تحقق أصلا. فإعادة توجيه عداء البوذيين في أراكان العرقية بعيدا عن الحكومة المركزية، ليتم صبه بدلا من ذلك على الروهينغيا، تعتبر استراتيجية فعالة للغاية بالنسبة للحكومة، وبالتالي، لمجتمع الأعمال الدولي.
 
في رأيي، الأمر ليس أن الحكومة تريد فعلا أن تستكمل الإبادة الجماعية ضد الروهينغيا، ولكنهم يريدون الحفاظ على معنويات الإبادة الجماعية، والحفاظ على الروهينغيا مؤهلين للإبادة، وما عليهم بعد ذلك إلا الإبقاء على الكراهية مشتعلة أطول وقت ممكن. وهذا كفيل بالحفاظ على الأغلبية في أراكان منشغلة ويوفر مبررات للاحتلال العسكري للدولة، بطريقة مشابهة جدا لما فعلته الحكومة المركزية في نيجيريا في دلتا النيجر المدقعة الفقر والغنية الموارد. ومرة أخرى، كل هذا في جوهره وثيق الصلة بمصالح المستثمرين الأجانب والشركات متعددة الجنسيات.
التعليقات (0)