قضايا وآراء

اعتقال مشاريبوف.. هل أغلقت تركيا الدائرة؟

ماجد عزام
1300x600
1300x600
السلطة الديموقراطية المنتخبة في تركيا تتعاطى مع المعركة بوصفها حرب استقلال جديدة، هي تقدم روايتها الفكرية التاريخية السياسية الاقتصادية الاجتماعية للناس، واضح طبعا أن ثمة قبول أو تأييد واسع مع فهم أو استيعاب للدلالات التاريخية المكانية الزمانية، هذا لا ينتقص بل يزيد ويضاعف المسؤولية عليها، ويحتّم عليها بذل مزيد من الجهود السياسية والديبلوماسية لحصد التفهم، والدعم الدولي والإقليمي، ولا يقل عن ذلك مراجعة الإجراءات الأمنية، وأوجه القصور استخلاص العبر الشخصية والمؤسساتية من العملية الأخيرة، ووضع تكتيكات وآليات ووسائل جديدة لمواجهة التطور في عمل التنظيمات الإرهابية وداعش وجماعة غولن وتنظيم بي كاكا بشقيه وترتيب الأولويات، بما يكفل تقليل الخسائر والأثمان ومع امتلاك الإرادة والعزم والعناد يبدو الانتصار حتميا، ويكاد يكون مفروغا منه أيضا.

هذه كانت الفقرة الأخيرة من مقالي ملاحظات أساسية حول جريمة أورتاكوي الإرهابية، الذي نشر هنا في موقع عربي 21 قبل أسبوعين - الأربعاء 4 كانون ثاني/ يناير - وتضمن قراءتي للجريمة الإرهابية البشعة في اسطنبول ليلة رأس السنة وسياقاتها المختلفة، ضمن المعركة الواسعة أو حرب الاستقلال الثانية التي تخوضها تركيا ضد الإرهاب هذه المرة بمسمياته، أشكاله وتنظيماته المختلفة.

أمس الثلاثاء نجحت السلطات التركية في القبض على الإرهابي عبد القادر مشاريبوف منفذ جريمة أورتاكوي بعد جهد أمني جبار من قبل فريق ضخم ضمّ 2000 رجل أمن  قام بمراجعة 7200 ساعة من كاميرات المراقبة، مع عمل دوؤب على مدار اليوم تقريباً للقبض على المجرم كما خلايا نائمة أخرى تابعة لتنظيم داعش الإرهابي.

نجاح كبير لا يمكن إنكاره أو حتى الجدل فيه، خاصة إذا ما تذكرنا أن منفذ ومخطط عمليات باريس الإرهابية نهاية العام 2015 عبد الحميد أبا عود ما زال حرّاً طليقاً، رغم مطاردة المخابرات الفرنسية وتعاون أجهزة أمنية غربية أخرى معها، ورغم مراقبة الجماعات الإرهابية المحلية لشهور، وحتى لسنوات من قبل تلك الأجهزة.

النجاح يكاد يكون مضاعف نظراً لحملة الشيطنة الإعلامية الثلاثية ضد تركيا، من الحشد الشعبي الإعلامي في بيروت الحاقد، بسبب وقوف أنقرة الحازم ضد نظام أو بقايا نظام الأسد بالشام، وإعلام الفلول العربي الناقم والمتشنج بسبب دعم تركيا الحازم للثورات العربية، والسيرورة الديموقراطية في بلادنا العربية، والإعلام الغربي الذي يكره أروغان، لأنه لا يخضع للغرب وتوجيهاته أويكره تركيا بسبب صعودها ونهوضها وخلفيتها الدينية التاريخية الحضارية المختلفة. الشيطنة الثلاثية التي وصلت إلى حد توصيف أو تكييف جريمة اورتاكوى، باعتبارها تعبير عن تغلغل التطرف والإرهاب الداعشي في الأجهزة الأمنية، وحتى الشعب التركي نفسه، وربما عقاب لها على مساندتها ودعمها المزعوم لداعش، والذي لم يكن سوى محض خيال في التحالف الشيطاني الإعلامي الثلاثي غير الرسمي ضدها.

اعتقال مشاريبوف يمثل إذن نجاح كبير للأجهزة الأمنية التركية التي تصرفت بشكل مهني ومناسب مع جريمة أرتاكوي، وأكيد أنها عملت كما ينبغى وبجهد منظم للوصول إلى النهاية الظافرة. هذا النجاح لا يعني أنها استخلصت العبر من العملية الأخيرة  فقط، وإنما تجاوزت إلى حدّ كبير عملية إعادة بنائها، واستئصال جماعة غولن منها، التي كانت بمثابة حجر الرحى ونقطة الضعف في مواجهتها للتنظيمات الإرهابية.

النجاح لا يقتصر على اعتقال مشاريبوف، وإنما على الخلية المساندة له، ومن قدّم له المساعدة، والتي قاربت 50 شخص، وهي الخلية نفسها المسؤولة عن جريمة المطار شهرحزيران يونيو العام الماضي، والتي كانت تحضر حتماً لعمليات أو جرائم أخرى على طريقة داعش في باريس وأوروبا بشكل عام.

اعتقال مشاريبوف يمثّل أيضاً نجاح للسلطة السياسية المنتخبة ديموقراطياً، وهو ينسف أكذوبة أو مسرحية علاقة أنقرة مع داعش، ويثبت جديتها وإصرارها على مواجهة التنظيم بشكل جدّي وحاسم أمنياً وعسكرياً. كما مواجهة من يستخدمون ورقة داعش لتحقيق أهداف ومآرب سياسية وأمنية في سوريا، وحتى في تركيا أو أوروبا نفسها. 

ولكن هل أغلق الاعتقال الدائرة في مواجهة داعش، أو في المعركة ضد الإرهاب بشكل عام؟ بالتأكيد لا فبالنسبة لداعش قد يكون فعل ذلك فقط فيما يتعلق بالخلية الأكثر نشاطاً، جاهزية وفعالية في تركيا، وحتى في خلايا أخرى نائمة مرتبطة بالتنظيم وسيقدم مشاريبوف بالتأكيد معلومات لا  تقدر بثمن عن طبيعة تفكير التنظيم ومخططاته ضد تركيا في الفترة القادمة، إلا أنه أي الاعتقال لا يغلق الدائرة  بشكل تام في المعركة ضدها، لأن من الصعوبة بمكان النجاح بنسبة مائة بالمائة في مواجهة أي إرهاب والانتحاري أو الجنوني منه على وجه الخصوص، إلا أن التنظيم الإرهابي سيجد بالتأكيد صعوبة في تنفيذ عمليات كبرى واستعراضية في تركيا، والأجهزة الأمنية سترسم بالتأكيد صورة واضحة وصلبة عن طريقة عمله وكيفية إجهاض مخططاته بشكل استباقي.

الأمر نفسه يمكن قوله عن المعركة ضد الإرهاب بشكل عام، بمعنى أن الاعتقال لن يغلق الدائرة في هذه المعركة المتعددة ضده، ولكنه سيعطي دفعة معنوية ومهنية كبرى للأجهزة الأمنية، ويزيد ثقتها بنفسها وقدرتها على تحقيق نجاحات مماثلة بمواجهة الأنظمة الإرهابية الأخرى، ونفس الأمر يمكن قوله في الجانب السياسي كون الحكومة تسير أصلاً على الطريق الصحيح وواضح أن المعركة ضد جماعة غولن وصلت نقطة اللاعودة، وباتت أصلاً في مراحلها الأخيرة، ولكن الحاسمة، بينما المعركة ضد داعش وبي كاكا بشقيه التركي والسوري لا تخاض أمنياً أو داخل الأراضي التركية فقط، وهي تخاض سياسياً اعلامياً معنوياً وذهنياً في  تركيا وسورية والعراق على حد سواء، وباتت في ذروتها الآن مع الاقتراب من تفكيك دويلة داعش الإرهابية وكيان بي كاكا الشوفيني والاستبدادي فى سورية، ونسج تحالفات تمنع بي كاكا التركي من تحويل مدينة سنجار إلى جبال قنديل 2 في العراق ومع التحولات السياسية الإقليمية وحتى العالمية ستصبح أنقرة في وضع أفضل في مواجهة الإرهاب كما في بلورة الاستراتيجيات المناهضة له والأهم أن قصة الاستعانة بالارهابيين في مواجهة الإرهابيين أو خوض حرب انتقائية في مواجهة التنظيمات الإرهابية باتت أكثر صعوبة والنموذج التركي أثبت نجاعته فى إسطنبول جرابلس الراعي ودابق -الباب منبج والرقة مسالة وقت فقط- ويبدو رغم الأثمان والتكاليف الباهظة أنه على الطريق الصحيح نحو الانتصار الكامل والنهائي بإذن الله.

• باحث وإعلامي فلسطيني
0
التعليقات (0)