قضايا وآراء

الربيع العربي بين أزمات الإسلاميين وخيانات العلمانيين

محمد خليل برعومي
1300x600
1300x600
فاجأت ثورات الربيع في بداياتها الحكام المستبدين والقوى الدولية والقائمين على مخابر البحث والتفكير كما فاجأت أيضا قوى المعارضة في هذه الدول الثائر شعبها وشبابها.

لقد مثل هذا الحدث العظيم صدمة للقائمين على حفظ النظام "المستبد" داخل الأوطان العربية وجعل قوى المعارضة تعيش حالة ذهول أمام إرادة الشعوب وقدرتها على الإطاحة بأعتى الدكتاتوريات بأدوات بسيطة وفي أيام معدودة في مقابل عجز النخب السياسية المعارضة أمامها.

دللت الثورات العربية على ضعف الأنظمة أمام إرادة الشعوب كما أثبتت تقليدية الفعل السياسي المعارض الذي تجاوزه التاريخ والوعي الشعبي.

نجحت هذه الشعوب أيضا في البرهنة على تمييزها بين الدولة كمؤسسات رسمية ثابتة وبين الأنظمة السياسية والحكومات المتغيرة والمتحولة، فعبرت عن هذا الوعي المدني بملء الفراغ النظامي الذي ساد إبان سقوط الطغاة. 

ففي تونس مثلا أرسى الشعب منظومة أمنية واجتماعية خاصة به، حفظ بها مصالحه وأموره وبرهن على قدرة الشعوب في الإبداع، على مستوى المواطنة والفعل الحضاري والسياسي والاجتماعي.

كانت هذه اللحظة الثورية بعد ذلك في حاجة إلى ترجمة سياسية ناجعة تحقق مطالب الشعوب وآمالهم إلا أن بطء النخب العربية الديمقراطية في استيعاب المرحلة ومقتضياتها جعل أعداء الديمقراطية العربية أسرع في إعداد أجنداتهم وتنزيلها.

لماذا فشلت النخبة العربية في استثمار اللحظة الثورية؟!

أصيبت النخبة العربية "الديمقراطية" بعدة أمراض تسبب فيها المناخ الاستبدادي، أهمها التعصب الإيديولوجي والعقم السياسي على مستوى العمل داخل الدولة وماضوية الرؤى والبرامج.
علقت الشعوب الثائرة أمالا كبيرة على حكومات مابعد الثورات. وانتظروا ازهار الربيع ...
إلا أن إشكالات النخب حولت إنجازات الشعوب إلى دراما عربية وقصص حزينة مليئة بالعنف والدماء.

أزمات الإسلاميين!!

رغم جهود بعض الإسلاميين في تطوير رؤاهم وتحيين قراءاتهم النظرية والواقعية وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير، إلا أن عموم الإسلاميين المنشغلين بالعمل السياسي (بعيدا عن المثال المشوه للإسلاميين أمثال داعش وجماعات العنف) بقيت برامجهم وتنظيماتهم حبيسة للحظة تاريخية مضت.

إن أهم ما يميز حركات "الإسلام السياسي" أنها أسست برامج وتنظيمات مناهضة للاستبداد والظلم ومقاومة لكل أشكال الفساد السياسي والاجتماعي، إلا أنها لم تنل فرصة إعداد برامج بديلة أو برامج حكم مما جعلها تفتقر إلى أطروحات وخطط واقعية تصلها بمفاصل الدولة والمجتمع بمنطلقات الحكم وليس بمنطلقات المعارضة والاحتجاج.

ظلت مرتكزات الفعل الأسلامي على حال ما كانت عليه قبل الربيع العربي، ولعل ذلك يعود في جزء منه إلى فجئية الثورات وتسارع الأحداث، ما منع الإسلاميين وغيرهم من التمتع بلحظات تقييمية جريئة وعميقة.

وهو ما يفسر أزمة الخطاب عند الإسلاميين وإشكالية النموذج في علاقة بالدولة خاصة ثم المجتمع. كما يفسر أزمات التنظيمات والجدل القائم حول ماهيات هذه الحركات وسبل تصريفها مشروعها الحضاري والثقافي والمجتمعي.

لقد قدم الاسلاميون خطابا تركيبيا بين الدعوة والدولة دون البحث المعمق في إشكالياته لا من الناحية النظرية ولا من الناحية التطبيقية. وأكدوا عبر ممارستهم السياسية حاجتهم لمزيد تعصير أحزابهم وجعلها أكثر انفتاحا على عموم الناس خاصة الكفاءات منهم والكوادر الشابة.

يغري المشهد الحركي الإسلامي ومنذ انطلاق الثورات العربية بالكثير من الأسئلة أبرزها:

- ما هي انعكاسات انتقال الإسلاميين إلى العمل السياسي العلني وانخراطهم في الحياة السياسية على خطابهم وبنيتهم التنظيمية وأساليب عملهم؟!

- ما هي التطورات الجديدة التي طرأت على رؤية الإسلاميين في نظرتهم إلى الدولة والمجتمع وباقي المجالات؟!

- ما هو الخط الأصيل داخل الحركات الإسلامية، هل هو الخط التنظيمي أم هو الخط السياسي؟! 
 
خيانات العلمانيين!

الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه وكذلك هو حال العلمانيين الديمقراطيين في الوطن العربي، حالات استثنائية بين علمانيين يعقوبيين، ديمقراطيتهم تعني ضرورة فوزهم والغاية تبرر الوسيلة في ذلك.

جزء كبير من هذه الفئة النخبوية سوغ لنفسه كل المبررات بغية إفشال تجربة الإسلاميين في الحكم مع علمهم المسبق بتأثير ذلك على المستوى الوطني والشعبي وأيضا على مستوى الاستحقاق الديمقراطي العربي.

وبعد تأسيس هذه الأرضية التبريرية والمؤامراتية انطلقت معاول الهدم بأشكال مختلفة منها من اختار الصدام مع الخيار الشعبي أو الانقلاب عليه وقد حصل ذلك في مصر مثلا، إلا أنه فشل في تونس.

لقد تمظهرت الخيانات العلمانية بأوجه مختلفة وأيضا بخلفيات متعددة منها ما هو إيديولوجي أو خارجي أو طائفي قبلي أو غير ذلك حسب اختلاف البيئة الاجتماعية والثقافية لكل بلاد.

إن أهم إشكالات جزء كبير من العلمانيين في بناء منظومتهم الفكرية والسياسية على نقيض الأطروحة الإسلامية، فلا تقوم تقدميتهم إلا برجعية الإسلاميين، وهو ما يفسر الخصومة بين الطرفين إلى درجة رفض وتكذيب كل محاولات التطور والإصلاح الداخلي التي تشتغل عليها بعض الحركات من أصول إسلامية، لأنها وبكل بساطة تحطم البناء النظري والتأسيس الفكري الأصم للمنظومة العلمانية في نسختها العربية اليعقوبية.

بقدر ما وضع الربيع العربي الإسلاميين أمام امتحان الدولة والحكم، فقد وضع "العلمانيين" أمام امتحان الديمقراطية وحقوق الإنسان.
التعليقات (0)