كتاب عربي 21

مرض الهزيمة

عبد الرحمن يوسف
1300x600
1300x600
راسلني أحد الصحفيين المحسوبين على نظام الاستبداد في مصر طالبا إجراء حوار صحفي!

علامة التعجب تعبر عن حالتي حين قرأت الرسالة على بريدي الإلكتروني، ممهورة بتوقيعه (فلان الفلاني ... من قسم الكذا في جريدة كذا)!

الفضول يقتلني ... لماذا يراسلني هذا الصحفي الآن؟

لم أتمكن من منع نفسي من الرد عليه، فقلت له :

ما الهدف من الحوار؟ وما المحاور الرئيسة فيه؟ وما الضمانات بعدم تحريف كلامي أو تشويهه؟!

رد عليّ بأن الحوار يهدف إلى إظهار وجهات النظر المختلفة في (معارضة الخارج).

حين أرسل الأسئلة، وجدت أن الحوار سيكون مجرد محاولة لخلق بلبلة، ولتشويه معارضي الاستبداد وخاصة من اضطر منهم للخروج من مصر نظرا للتهديدات الحقيقية التي يتعرض لها المعارضون في ظل حكم "سيسي".

المؤلم في هذه القصة أن الأسئلة التي أرسلها هي الأسئلة نفسها التي يسألها غالبية المذيعين والصحفيين في القنوات والصحف والمواقع التي تعمل (أو هكذا يفترض) لمقاومة نظام الاستبداد.

في "إعلام اسطنبول" محاور أي حوار تعتمد على عدة نقاط خلافية، والإجابة فيها إما أن تلتزم بما يعجب (ألتراس) هذه القنوات، أو أن يتم قصف الضيف بالمدفعية الثقيلة من أدعياء الثورة الذين لم نرهم حين كانت الثورة مشتعلة في شوارع مصر، ولكن رأيناهم حين أصبحت الثورة مغنما في البرلمانات والوزارات والتلفزيونات، وبعد ذلك تصدروا الصفوف لجمع غنائم الانقلاب.

وهل هناك غنائم للانقلاب؟

للأسف الشديد هناك غنائم لكل شيء، وكما أن هناك أغنياء حروب ومجاعات وزلازل وكوارث، فهناك من يتصدر صفوف مقاومي الانقلاب اليوم وهم ليسوا أكثر من جامعي غنائم، وتراهم يزايدون على المناضلين الحقيقيين الذين أفنوا أعمارهم في العمل من أجل قضية التغيير في مصر!

أستغرب من حالة المعارضة المصرية، ألم يصل المعارضون (والإعلاميون والمشاهدون) إلى حالة تشبع من الأسئلة المتعلقة بالشرعية؟ وحقيقة ما جرى في الثالث من يوليو؟ والثلاثين من يونيو؟ وحقيقة التيار الفلاني؟ وتحالف التيار العلاني مع العسكر؟ الخ الخ..

ألم يمل الناس من هذه الأسئلة التي تتكرر للعام الرابع بلا انقطاع؟ من أخطأ أولا؟ ومن سال دمه أولا؟ ومن سُجن أولا؟ من تسبب في الانقلاب؟ ومن وقف ضد الانقلاب؟ ومن تغير رأيه؟ الخ الخ..

ألا توجد أي رغبة عند أي عاقل في مختلف مواقع المعارضة في طرح أسئلة المستقبل بدلا من إشعال معارك الماضي؟

حين وصلتني أسئلة ذلك الصحفي (الفلولي الانقلابي) وجدت أنني قد أجبت عن هذه الأسئلة مائة مرة في قنوات تقاوم الانقلاب، رغم أنني قليل الظهور في الإعلام.

ألهذه الدرجة أصبحنا أعداء أنفسنا؟

خطاب الثوريين للثوريين (فَكَّرْهُم ونَكِّدْ عليهم)، وخطاب الثوريين (باختلاف توجهاتهم الفكرية) للشعب مزيج من (عبيد بيادة) أو (شعب جاهل).

خطاب الدولجية لفصائل الثوريين لا يخرج عن نطاق خطاب الثوريين للثوريين، وخطاب الدولجية للشعب ليس ببعيد عما يقوله الثوريون للبسطاء أيضا.

أزمتنا ليست أزمة خطاب ... بل هي أعمق من ذلك، وخطابنا عَرَضٌ من أعراض المرض الذي يترسخ يوما بعد يوم ... إنه مرض الهزيمة!

في عام 1967 وبعد الهزيمة الساحقة التي تسبب فيها حكم العسكر آنذاك أمام إسرائيل ترسخت الهزيمة داخل النفوس، ترسخت لدرجة لا يمكن تجاوزها، حتى حين جاء نصر رمزي في عام 1973 تعامل الجميع معه بنفسيه وعقلية المهزوم.

لذلك حين تفاوضنا سلمنا النصر الذي حققناه بأيدينا للعدو بدون أي مبرر، لقد كنا مهزومين من داخلنا، وأثر الهزيمة بادٍ علينا، لقد أصبح وجه الوطن وكأنه وجه امرأة جميلة ولكنها غسلت وجهها بماء النار!

حين قامت ثورة يناير، كان الجيل المصري العظيم الموجود حينئذ يشبه قوم بني إسرائيل بعد أن تاهوا أربعين عاما، وقد مر على الهزيمة أكثر من أربعين عاما بالفعل، وتغير وجه الوطن، وأصبح وجها ريفيا بشوشا جميلا، صحيح أنه جمال مرهق بأعباء الحياة، ولكنه ليس ذلك الوجه المحترق بماء النار، إنه وجه جميل، يحمل قلبا فيه حياة وأمل.

لماذا نحاول اليوم استزراع اليأس؟ لماذا يحاول البعض التنظير للهزيمة؟ لماذا لا يراجع هؤلاء تاريخ الثورات؟

نحن في ثورة منذ يناير 2011، رأينا فيها مدا وجزرا، انتصارات وانكسارات، شروقا وغروبا ... رأينا فيها إمكانية أن نتحد فننتصر، وأن نزرع فنحصد، وأن نعمل فنرتقي.

جيل يناير هو جيل النصر لا جيل الهزيمة، وكل من يزرع الهزيمة فيه اليوم بالزور يحاول أن يحوِّل جيل الثورة ... إلى جيل النكسة ... وهي حماقة كبرى، وجريمة تاريخية.

ليس صعبا أن تُشَخِّصَ مرض الهزيمة، بل هو توصيف سهل، كل "حلاق صحة" يستطيع أن يخبر المريض أنه مريض، ولكن الطبيب هو من يستطيع أن يشخص المرض الحقيقي، وأن يعرف أسبابه، وأن يصف العلاج الصحيح الذي يجلب الشفاء في أقصر وقت.

لماذا يعشق بعضنا أن ينتصر فيروس الهزيمة؟ لماذا يحاربون كل طبيب يحاول – مجرد محاولة – أن يقاوم هذا المرض؟

لو بذل بعضنا عشر معشار جهده في تمكين المرض من أجل مقاومته لما وصلنا لهذا الحال.

لم يحدث أن جمعت المعارضة المصرية في تاريخها كله هذا الزخم الكبير، وهذا الظهير الشعبي المتشوق للتغيير، ولم يحدث أن بلغ النظام الحاكم في مصر هذا الحد من الضعف، وهذه العزلة الإقليمية والدولية، ولكن مقاومي الاستبداد للأسف الشديد يفتقدون الرؤية المستقبلية، وينكفئون على الماضي، وهم منشغلون بخلافات شديدة السطحية، وبمعارك تمد في عمر نظام مصاب بألف مرض.

نحن نملك فرصة كبيرة للانتصار، ومن هذا المنطلق هناك محاولة جادة من مجموعة وطنية محترمة تحاول تأسيس الجمعية الوطنية المصرية، على أن تمتد هذه الجمعية في داخل مصر وخارجها، لكي ينضم لها آلاف المصريين الراغبين في التغيير.

هذه المجموعة أسست الهيئة التحضيرية للجمعية الوطنية المصرية، وهي هيئة من الناس، وللناس، وبالناس، لها تواصلها مع جميع المصريين، ولا هدف لها إلا أن يتغير الوضع القائم في مصر، من تمكن الاستبداد ... إلى دولة القانون.

لا بد من جمع رموز وطنية من اتجاهات شتى لتأسيس هذا العمل الكبير.

لا بد من وثيقة تشكل الحد الأدنى من التوافق الوطني، ولا بد من وسائل ناجحة لمقاومة الانقلاب، ولا بد من تشكيل رؤية واضحة لمستقبل المعارضة في الداخل والخارج، ورؤية واضحة لمستقبل الدولة المصرية الثائرة، دولة يناير، بعد أن تسقط دولة يوليو، دولة الانقلابات العسكرية، دولة الأسياد والعبيد.

على جميع المصريين اليوم أن يساهموا في تكوين ذلك الكيان، وتحقيق تلك الرؤية، وفي العمل من أجل إقامة دولة يناير.

بالعمل ... وبالعمل فقط ... سوف تشفى مصر من مرض الهزيمة !

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين.

للتواصل مع الكاتب: [email protected]
التعليقات (3)
مسلم سوري
الثلاثاء، 22-11-2016 04:37 ص
مقال رائع ولكن حتى هذا النوع من الكلام الكل يقول كفا اختلاف و تعالوا نصطف ولكن من اكثر سنتين والموضوع كله كلام يا اخي قلي مين يلي فيه يبلش بالاصطفاف لنروح نبوس ايده ونقلو بلش
المصرى أفندى
الإثنين، 21-11-2016 10:06 م
الأستاذ عبد الرحمن يوسف المحترم .. قرأت كل دواوينك وأنا من متابعيك وأحترم كتاباتك ومقالاتك وأراءك .. لكن لى مداخلة عن الإخوان المسلمين لو تكرمت وسمحت لى .. أتمنى وصول كلامى لحضرتك حتى لو لم يظهر على الموقع .. كنا طوال فترة الترشح الرئاسى مع الدكتور محمد مرسى وأنتخبناه جميعآ لتطبيق شرع الله وفرحنا لنجاحه وأستبشرنا خيرآ .. بالله عليك ماذا حدث بعد تنصيب الدكتور مرسى وتحقق حلمنا ؟ بدأت الأخونة والتمكين وتعيين أهل الثقة والعشيرة مما مثل لنا ضربة فى صميم حلمنا .. الرئيس إخوانى ورئيس الوزراء قنديل إخوانى ورئيس مجلس الشعب الكتاتنى إخوانى ورئيس مجلس الشورى فهمى إخوانى وجل أعضاء مجلسى الشعب والشورى إخوان ورغم هذا لم يحرموا الخمر ولم يجرموه مثل الحشيش وتركوه يباع جهارآ نهارآ فى ظل حكم الملتحين بتوع ربنا بتوع جئنا لنطبق شرع الله ودخلت أموال وضرائب الخمر لموازنة الدولة لشراء قمح عشان الشعب ياكل عيش !!! لم يحرموا الميسر وظلت فنادق مصر تدير القمار وتدفع الضرائب ليشتروا بها قمح وناكل عيش !!! لم يمنعوا العرى من شواطئ وشاشات مصر وظلت قنوات الفجور تبث ليل نهار وشباب مصر بيتفرج والإخوان فى الحكم !!! لم يمنعوا الإباحية من النت ونقول التحرش زاد ليه !!! لم يذهبوا بالملايين شهداء على فلسطين وإحترموا المعاهدات الدولية التى تضمن سلامة وأمن إسرائيل ولم يغيروا شئ فى المناهج ولم يطبقوا أى شئ من شرع الله بل ظل الحال كما هو وأسوأ .. بإختصار لم ينصروا الله فلم ينصرهم وعادوا من حيث آتوا .. بسم الله الرحمن الرحيم ( الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ) صدق الله العظيم .. لم ينهوا عن المنكر .. لماذا الدفاع عن شخص جلس عام كامل وأعماه الله هو ومن معه مثل ما أعمى فرعون وكان لا يملك من أمره شيئآ .. حضرتك عارف الكلام ده أكتر منى وبالتأكيد عارف حاجات كتير أكتر من أى قارئ عادى .. والله الذى لا إله إلا هو أنه سبحانه وتعالى هو من عزل مرسى وهو من أعاد الإخوان للسجون لأنهم طلاب سلطة ولم يطبقوا شئ من شرع الله .. هل ما ذكرته كان صعب إتخاذ قرار به مثل تجريم الخمر والميسر ومنع النت والعرى ؟ إن أردت تصديقى فوالله لن يعود مرسى ولن يحكم الإخوان مرة أخرى .. أشكرك لسعة صدرك وأرجو أن تصلك كلماتى وشكرآ جزيلآ .
محمد الدمرداش
الإثنين، 21-11-2016 03:48 م
يناير بداية ثورة ...................... لم يدر الكثيرين و مقتاتى فضلات الموائد أن يناير بداية ثورة حقيقية لابد أن تصل إلى أهدافها و أن تعثرت و بدت الآليات أنها غير موصلة لقمة أهداف الثورة لأن الشيء الأساسي الذى يجعلها ثورة ذات زخم و معين لا ينضب أنها نابعة من أرادة الشعب و وهجها حلم عموم المصريين و أن كان على السطح استمرار النظام القديم و تمسكه بتلابيب السلطة و تشبث المؤسسة العسكرية بالسيطرة على البلاد و العباد إلا أن تكوينها و نهجها لن يجلب إلا أخطاء استدعاء ثورات و ليس بداية الثورة كما كانت يناير وها نحن نعيش أخفاقات و فشل متوالي لأدارة البلاد و سخط و نقمة إقليمية و دولية على النظام الحاكم لمصر فمن السهل تنسيق القوى الحقيقية التي ستغير وجه مصر بثورية ستعرف طريقها و ستحقق أهدافها و سنعيش جميعاً في مصر خالية من الاستبداد و القمع و سيعرف الأنسان الاعتزاز بكرامته و حقوقه و عندما يدفن الفساد و تنقشع ضبابية عدم الشفافية سينعم كل مصري ببلده و لن يغتصب منه نصيبه المستحق بشكل أو بأخر .