قضايا وآراء

ثورة البراق الثانية

هاني بشر
1300x600
1300x600
تصف الموسوعة الفلسطينية أوضاع النضال الوطني الفلسطيني بالركود بين عامي 1922 و1929، فيما عدا مظاهرات احتجاج ضد إعلان بلفور، ومظاهرات أخرى اندلعت تأييدا للثورة السورية. وأرجعت ذلك لضعف قيادة الحركة الوطنية من جهة، وشراسة الاستعمار البريطاني من جهة أخرى. غير أن هذا لم يكن سوى الهدوء الذي يسبق عاصفة ما تم تسميته ثورة البراق. وكانت شرارتها يوم 14 آب/ أغسطس 1929 في تل أبيب، عندما اندلعت مظاهرة للصهاينة بمناسبة ما يعرف بذكرى "تدمير هيكل سليمان".

أعقب ذلك مظاهرة ضخمة في اليوم الثاني في شوارع القدس، وصلت إلى حائط البراق أو ما يسمونه حائط المبكى. وعندها رفعوا العلم الصهيوني، ورددوا الأناشيد والهتافات التي تزعم أن هذا الجدار هو ما تبقى من هيكل سليمان.

صادف اليوم الثاني يوم جمعة وذكرى المولد النبوي، حيث اعتاد أهالي القدس أن يفدوا للمسجد الأقصى للصلاة من المدينة والقرى المحيطة. فكان العدد كبيرا ثم خرجوا بعد الصلاة في مظاهرة ضمت الآلاف واتجهوا نحو حائط البراق وحطموا طاولة لليهود عند الحائط وأحرقوا بعض الأوراق التي تحتوي على أدعية يهودية موضوعة في ثقوب الجدار. 

تسارعت الأحداث بعد ذلك، وعمت المظاهرات مدنا وقرى أخرى وتطور الأمر إلى اشتباكات بين مجموعات من الفلسطينيين واليهود وجرح 11 شخصا من الجانبين وتوفي أحد اليهود. وقد ردت سلطات الانتداب البريطاني باعتقال عدد كبير من الشبان الفلسطينيين وبعض اليهود، ثم قدمت أكثر من ألف شخص للمحاكمة منهم 900 من العرب وصدر الحكم بإعدام 25 عربي ويهودي واحد كان شرطيا قتل سبعة أفراد من أسرة عربية وتم تنفيذ الحكم في ثلاثة من العرب هم عطا الزير ومحمد جمجوم فؤاد حجازي. وقد خلدت الأغاني الشعبية الفلسطينية ذكر هؤلاء الثلاثة حتى الآن.

وأمام هذا الغضب الشعبي الهادر تشكلت لجنة دولية لتحديد حقوق المسلمين واليهود في حائط البراق برئاسة وزير خارجية السويد السابق أليل ولفغرن وعضوية نائب رئيس محكمة العدل الدولية الأسبق السويسري تشارلز بارد. وبعد تحقيق شمل استماعا لوجهتي نظر العرب المسلمين واليهود، وضعت اللجنة تقريرها عام 1930 وقدمته لعصبة الأمم في ذلك الحين حيث أيدت فيه حق المسلمين في ملكية حائط البراق بشكل لا لبس فيه.

هذا التقرير رغم أهميته السياسية والقانونية والدبلوماسية لم يحظ بالتقدير والتفعيل الكافي. فهو من كل النواحي أقوى من إعلان بلفور مئات المرات ويحظى بحجية قانونية دولية لا يتمتع بها إعلان بلفور. ويعد صكا مهما في معركة العرب والمسلمين مع الاحتلال الإسرائيلي فيما يخص حقوق الملكية والعبادة في القدس والمسجد الأقصى. كما يعد استجابة لثورة شعبية حقيقية اندلعت من دون قيادة دفاعا عن الأرض والمقدسات في مرحلة مبكرة من مراحل محاولات محو الوجود العربي والإسلامي من القدس وتهجير الفلسطينيين والتمييز ضدهم.

وما أشبه الليلة بالبارحة من عدة وجوه أولها الانتفاضة الشعبية الخالصة لتي اندلعت في القدس منذ العام الماضي وليس لها قيادة واضحة وقرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" الأخير بنفي أية صفة تاريخية أو دينية لليهود عن حائط البراق والمسجد الأقصى.

وهذا القرار الأخير أهميته تنبع من عدة وجوه، أولها أنه صادر من هيئة دولية تابعة للأمم المتحدة وثانيا أنه هذه الهيئة غير سياسية أي تتعامل مع الأمور التاريخية والثقافية حصرا وثالثا أنه يأتي في وقت حساس يراد فيه طي ملف الصراع العربي الإسرائيلي بأسرع وقت عن طريق المبادرة الفرنسية أو الروسية. ولأن الأوراق والقرارات لا قيمة لها ما لم تحظ بجهد خلفها يضعها موضع التنفيذ، فإن قرار اليونسكو الأخير وقرار اللجنة الدولية القرن الماضي يصلحان كأرضية قانونية دولية يمكن البناء عليها في المعركة الحالية. ويجب الأخذ في الاعتبار أنه ليست هناك قوة تنفيذية في القانون الدولي منوط بها تنفيذ الأحكام والقرارات على غرار القوانين المحلية، ولكن جهود الدبلوماسية الشعبية والضغط على الحكومات ربما يعد أقوى من ذلك لوضع مثل هذه القرارات موضع التنفيذ. 

ومرة أخرى، ليس لإعلان بلفور أي قيمة من دون جهد الصهاينة وأنصارهم خلال ثلاثة عقود، لتحويله إلى حقيقة واقعة مع إعلان قيام إسرائيل عام 1948.
0
التعليقات (0)