كتاب عربي 21

أحسن الجواب في حب أوروبا للسادة الكلاب

أحمد عمر
1300x600
1300x600
سألتني صديقتي الألمانية انغريد، وابتسامة ساطعة في مشمش الأربعين على ثغرها، عن بلادي، ثم استبقتني قائلة: طبعا في بلادكم الكلاب سائبة في الشوارع. فقلت ليست الكلاب فقط هي السائبة والثروة مشاع، بل العلماء والأدباء والنجباء، ولعل هؤلاء المحظوظون، أما التعساء فمصيرهم السجون.

الأمة كلها سائبة يا مولاتي. لصديقتي كلب اسمه غوتام، لا ينبح مع أنه ليس سلوقيا. الكلب يبهم ويعجم ويغمغم، باكيا إذا ترك وحيدا، وينام مع العائلة، مع أنها صنعت له بيتا خشبيا في باحة الدار. في ألمانيا إذا ما نبح كلب في الجوار، وجواري مضمار ومتنزه كلاب، تذكرت قول الشاعر الأحيمر السعدي بعد ترانسفير بسيط بين حيوانين:

عَوى الكلب فَاِستَأنَستُ بِالكلب إِذ عَوى ... وَصَوَّتَ إِنسانٌ فَكِدتُ أَطيرُ

الكلاب لا تنبح هنا إلا إذا دعست على أذنابها. بعد أن رأيت الدلال والجمال والبهاء والسناء الذي يعيش فيه غوتام وبنو جلدته، اقترحت له اسما هو "مستر بريزيدنت"، فانفجرت أنغريد بضحك أصابتني منه جروح حميدة.

 الكلاب هنا ليست لما خلقها الله، صيدا أو حراسة، وإنما تؤخذ وتُتعهد للاقتناء والصداقة والأنس والرحم، تسلّي الأوروبي في وحشة الحداثة المقدسة، ولها حدائق وأطعمة وحلويات وفاكهة وأطباء جراحة وعلم نفس، بل إن الكلب نفسه يجري تأهيله ليصير طبيبا نفسيا في أهم المشافي والبيمارستانات الأوروبية! يدخل فيشهق المرضى شوقا إلى لمسه والتبرك به، وهي تسافر في القطارات والباصات جالسة في أحضان أصحابها، وإذا كان الطريق إلى قلب الرجل العربي هو معدته، حسب القول السائر، فالطريق إلى قلب المرأة الأوروبية هو: كلبها.

وإذا ما سألت باحثا عن علة اتخاذ الأوروبي الكلب ابنا، أو زوجا، أو أما، أو أبا، فستأتيك هذه الأجوبة: لأنه يفضل وفاء الكلب على غدر الابن الإنسان، أو لأن الكلب أسرع نموا، وأقل كلفة روحية، ومالية ونفسية، فنحن في عصر السرعة، أو لأن فقدانه في عصر مهدد بالحروب أقل إيلاما من فقد الإنسان، أو تعويضا عن حب، أو استغفارا لظلم، أو استجلابا لحب تام لا تشوبه عواطف الإنسان وأنانيته، أو بسبب تشوه عاطفة الأوروبي بالأكلات الكلبية، التي تطهوها له آلات "أضواء المدينة"، وكانت قد افترست شارلي شابلن من قرن مضى، أو هو اعتذار الأوروبي عن بلاغة الناطقين على الكائنات العجماء التي ليس لها من يدافع عنها .. والشعب السوري يستغيث ويستنجد من خمس سنوات، والعالم مشغول بالكلاب. 

تحدثت في مقال سابق عن الأموال القارونية التي تنفقها أوروبا على "حيوانات الزينة"، وهي ما يكفي لإطعام شعوب الأرض، أما الهررة والكلاب فيمكن أن تقتات على فضلات الإنسان من عظام وبقايا طعام، كما كانت من قبل عصر الحداثة المقدس. صغيرا تعلقت بجرو مهجور، لكن العائلة لم توافق على اتخاذه، لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب. ولم نكن نتخذ الهررة، لأنها هي التي تتخذنا أهلا ورعاة، والهررة لا تكتفي بدار وعائلة واحدة، فهي طوافة. وكنت أحزن وأنا أقرأ في مصادر غير موثوقة أن الجنة التي أطمح إلى أن أكون أحد سكانها، بفضل الله ورحمته ليس فيها حيوانات سوى كلب أهل الكهف، واسمه قطمير، وناقة صالح! إلا أن ذلك تشديد من بعض المفسرين.

كنت أغبط كلب صديقتي أنغريد الذي يعيش معهم في الدار متكئا على عرش وثير، مستمتعا بدفء المدفأة، وأكل الكاتو، واللحوم المفرومة والمطهية والمتبلة، فأخشى على أسنانه وأنيابه، فالكلب محروم من استخدامها مطلقا، وأرى الكلاب يوميا وأصحابها يلهون معها، ويصحبونها في الفجر الأول، أو في الليل مزينين أعناقها بقلائد ضوئية، فيتسابقون معها، أو يقذفون لها الكرات فتهرع إليها، وتتلقفها في الهواء. وفي القوانين الأوروبية مواد تجرم الإساءة إليها، وأرى يوميا من شرفتي السادة الألمان يردون مع السادة الكلاب في السيارات الفاخرة، إلى المضمار، ثم يدرجون لها مدرجا مفروشا في أيام المطر والأيام العادية، بالسجاد، فتنزل، وصهوة السيارة لا تعلو سوى شبرا عن الأرض!

الكلب الوحيد الذي وجدته للحراسة هو لصديق لبناني، جاء قبل ثلاثين سنة إلى ألمانيا، ويعمل في صيانة السيارات المعطوبة، فالألماني يبرم بسيارة أو آلة اعتورها عطل بسيط، أو جرحت في معارك السرعة فيبيعها. اتخذ صاحبي اللبناني كلبا بوليسيا لم أسمعه ينبح أبدا، له مؤخرة ضبع، يتركه في الكراج مع حوالي مائتي سيارة، ويقول لي: هذه الكلبة أشرف من حبيبتي التي تخونني. ويطلب مني أن أبحث له عن زوجة سورية، ثم يقول لي مبشرا: الكلب عرفك، وحفظ رائحتك، صارت في "الهارد وير"، ولن ينسى بصمة رائحتك، صرت من العائلة يا أميغو.

وكان الشيخ العلامة الإمام أبو بكر محمد المرزباني قد كتب كتابا سماه "فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"، يمدح فيه الكلاب، ويذكر فوائدها وبعضا من أخبارها الحميدة، ولم يبلغ خياله في أن تتخذ النساء الكلاب أخدانا!

أما الجواب في عدم اتخاذ العلوج الأوروبيين الكلاب للحراسة، وهو الشأن الذي خلقه الله لها، فهي أن بضاعتهم الكبرى هي بلادنا بموادها الخام وشعوبها، التي إذا ما انطلقت من قيودها دحرت أوروبا دحرا، فيعهدونه للكلب القاتل، السيد الرئيس، الذي يقوم بحماية مصالحهم حماية تامة. كلابهم الحيوانية في أوروبا للدلال، وكلابهم الرئاسية البشرية في بلادنا للحراسة وهبر الشعوب.

 والعلوج يكرمون هذه الكلاب أيضا، يفرشون لها السجاد الأحمر، ويطلقون لها إحدى وعشرين طلقة، يصل المستر بريزدنت إلى سيده الأوروبي أو الأمريكي، ويبصص له بذيله، ويضبح، ويعجم، ويبهم فرحا، إذا ما مسد عليه الرئيس الإفرنجي، أو منحه حظوة الصورة التذكارية.
التعليقات (5)
علي العلي/اللاذقية
الثلاثاء، 22-12-2015 02:16 ص
أحمد عمر ساحر تأبط شراً.. وقادر بسحره المشعوذ على جعلنا نضحك باكين (أو نبكي ضاحكين) على أنفسنا.. وهو العربي الوحيد الذي أدرك أن جميع دلالات ومداليل اللغة قد تغيرت منذ ذبح الشعب السوري من الوريد إلى الوريد في سبيل دحر المؤامرة الصهيو-أمريكية: الأمة والوطن والدولة والجيش والشعب والتاريخ والتراث والماضي والحاضر والمستقبل والأهل والأرض والعدو والصديق..
يحي
الإثنين، 14-12-2015 06:36 م
سليم بمعنى جميل موضوع شيق وحقا كلاب الحراسة في بلداننا يتدرجون فيهم الصياد وفيهم المقاتل وفيهم النباح وفيهم العقور الدي إن عضك سرى سمه في بدنك ولعل السيسي عقور
من أحمد إلى سميه أحمد من برلين
الإثنين، 14-12-2015 01:06 م
في ألمانيا .. نعم .. ابحث عني في غابة الفيس وستجدني إن شاء الله من الصابرين
أحمد من برلين
الإثنين، 14-12-2015 12:15 م
السيد المحترم عمر مقال جميل مثل معظم مقالاتك. عندى سوأل-- هل تعيش الأن فى ألمانيا؟ لو الإجابة بنعم، سوف يسعدنى جدآ لقاءك. هع أطيب التحيات من برلين
عاشق الكلاب
الإثنين، 14-12-2015 02:36 ص
مقال رائع جدا ، تحياتي للكاتب الذي اقرأ له للمرة الأولي ، وانبهرت بأسلوبه ، ومعلوماته ، وفلسفته البسيطة في توصيل المعاني ، ارجو له دوام التوفيق