كتاب عربي 21

إعدام "القاسم" وهرولة ما قبل السقوط

محمد هنيد
1300x600
1300x600
قل ما شئت في مقدم برنامج "الاتجاه المعاكس" وهو البرنامج الحواري الأشهر على قناة الجزيرة العربية فقد لا تجانب الصواب. لكنك لا تستطيع أن تبقى دون موقف تجاه البرنامج وتجاه مقدمه فهو يكرهك إكراها على مشاطرته الرأي والحجة أو يدفعك دفعا إلى معاداته ورفض حججه لكنه يمنعك منعا من اللاموقف. القناة والبرنامج مثلا طورا هاما من أطوار الوعي العربي الجديد وحققا ثورة حقيقية في تصور الإنسان العربي لنفسه وللعالم وهو ما دفع الكثير إلى اتهام القناة بأنها السبب الأساسي للربيع العربي ولثوراته المتعاقبة وهو شرف يعسر على القناة أن تدعيه لنفسها.

"الجزيرة" كابوس الطغاة العرب وكابوس نخب العار المزيفة من أدعياء المقاومة والممانعة التي كشف الربيع أنها شعارات جوفاء تخفي وراءها أشرس الأنظمة القمعية وأبشع فرق الموت الطائفية. "فيصل القاسم" وبرنامجه الشهير حركا مياها آسنة كثيرة في العقل العربي وفتحا ملفات وقضايا كانت إلى عهد قريب من أكبر المحرمات على المشاهد المحكوم بإعلام النظام الرسمي وأكاذيبه التي لا تنتهي. 

لكن القناة والبرنامج عرفا أطوارا مختلفة طوال المدة التي تمتد من منتصف تسعينات القرن الماضي إلى اليوم لعل أهمها المرحلة التي تلت الربيع العربي والتي اتسمت بالانشطار الحاد في المواقف والرؤى بين مؤيد للثورات العربية ولموجات التغيير في المنطقة وبين رافض لها ومتخندق في صف الأنظمة الاستبدادية. 

خلال السنوات الأربعة الماضية حركت الدولة العميقة في الوطن العربي كل منصاتها الإعلامية من أجل هدف وحيد وهو شيطنة الثورات والتشكيك في المنجز الثوري بهدف وضع الأرضية التي عليها تأسست الحركات الانقلابية وحققت النجاح الذي حققته في أكثر من بلد. 

لكن خبر أحكام الإعدام السورية الأخيرة لا يقتصر على إثارة الشفقة من الحال التي وصلت إليها بقايا النظام هناك بقدر ما يدفع إلى التأمل في رمزية هذه الأحكام وفي دلالة استهداف مقدم برنامج حواري على قناة عربية بحكم هو الأعنف والأقسى في سلم الأحكام الجزائية. 

بقطع النظر عن الرغبة الدفينة للنظام الطائفي في الانتقام من الخصوم السياسيين ـ وهي لا تعد جريمة كبيرة بمقياس الجرائم والمذابح التي ارتكبها النظام هناك في حق العزل والأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء ـ فإن لبقايا الدولة السورية رسائل تريد تبليغها. 

لعل أهمها رغبة النظام في التعبير عن قدرته على إصدار الأحكام بما يعكسه ذلك من وجود لمؤسسات ولقانون ولدولة في الوقت الذي يعلم فيه القاصي والداني أن سلطة النظام لا تتجاوز بعض الأحياء في العاصمة دمشق وأن أغلب المناطق الأخرى تقع خارج سيطرته ونفوذه. 

التهم الملفقة للأستاذ "فيصل القاسم " تبعث على الشفقة خاصة بعد سيطرة فرق الموت الطائفية هناك على منزله وتحويله إلى مركز من المراكز التابعة لقوات النظام وللفرق التابعة له. التهم نفسها لا تختلف كثيرا عن التهم الملفقة للرئيس المصري الشرعي محمد مرسي خاصة تلك المتعلقة بالتخابر مع دولة أجنبية لأن فيها من الغموض والالتباس ما يسمح لها بالتماثل مع تهمة الخيانة العظمى وهي التهمة التي تلفقها الأنظمة الدموية لأكثر الرموز إزعاجا لها.

مطاردة الأصوات المتمردة على الاستبداد يجد صداه أيضا في أحكام الإعدام العشوائية في مصر وفي برقيات الإيقاف والاستنطاق التي تطال الكثير من الناشطين ومن الصحفيين مثل الحادثة التي عاشها الإعلامي " أحمد منصور" مؤخرا في ألمانيا. 

لكن الثابت الأكيد هو النظام الرسمي العربي بشكله السابق لانفجار السابع عشر من ديسمبر 2010 في ريف تونس الفقير لم يعد موجودا بالخصائص والمميزات ذاتها. وليس السعي المحموم لإعادة إنتاج هذا النظام عبر استعادة آليات القمع القديمة بترسانتها القانونية البائسة إلا آخر رقصات الموت لهيكل الاستبداد المتلحف برداء الطائفية أو المؤسس على مغامرات العسكر ونزواتهم.

إن بنية العدالة العربية ومجموع المنظومات المرتبطة بها تمثل أداة من أدوات بطش الحاكم الذي قامت بسببه ثورات الربيع الأخيرة مطالبة بتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة ومحاربة الفساد والمفسدين. لكن المثير في أحكام النظام الطائفي في سوريا أو تلك الصادرة عن أبواق العسكر الانقلابي في مصر هو أنها تفضح بلوغ النظام مرحلة اللاعودة في مسار انحداره نحو الهاوية. 

فالنظام المصري عاجز عن تقديم أية حلول حقيقية لأزمة السلطة والمجتمع والاقتصاد وهو عاجز كذلك عن التحكم في المطالب الشعبية التي لا تتوقف وإن خفت نسقها بعض الشيء كما أن القبضة الأمنية والعسكرية المتحكمة نسبيا في حركة الشارع لن تستطيع بناء سلم اجتماعي ولا الحيلولة دون سقوط النظام كما حدث للمخلوع مبارك قبل ذلك لأن عهد العسكر والشرطة قد ولى وانتهى. 

أما نظام البراميل السوري فليس وجوده اليوم إلا ورقة للضغط والمناورة في لعبة إقليمية تتجاوزه وهي الورقة التي اقترب موعد التخلص منها بعد أن اتفق "الشيطان الأكبر" مع "محور الشر" على تقاسم الكعكة الشرقية والتخلص من كل البيادق الثابتة والمتحركة.  
9
التعليقات (9)
baha eldin hashim ali ibrahim
السبت، 01-07-2017 03:08 ص
يا محمد والله اتشرف بمعرفتك والله انت كبير ولا اشك في دينك وعروبيتك او ان اتواصل معك علي الفيس بوك انا اخوك بهاء الدين هاشم من السودان ورقم الجوال 00249912316271
hassan
الجمعة، 31-07-2015 12:25 ص
ه فيصل القاسم هو أيقونة العالم العربي ولا يستطيع أي زنديق تابع لأنظمة الزناديق بالدول العربية أن يمسه بسوء سيبقى محمية وخط أحمر في وجه كل طاغية عند أبناء الأمة العربية في العالم كله وليس بالدول العربية فقط ومن يضن غير هذا فاليجرب
عبدالمجيد
الخميس، 30-07-2015 11:10 م
الس?م عليكم ورحمة الله وبركاته اما بعد ان النظام السوري بقيادة ايزان يزيد محي كل ما هو سني وتبقي سوريا شيعية
عبدالناصر
الخميس، 30-07-2015 03:13 م
اعجبني
محمد المقداد
الخميس، 30-07-2015 02:05 م
ماتقوله جميل ولكن مايثعلق بفيصل القاسم فانه محل نظر شديد لكونه اختار ركوب الصعب فلو كان فيصل القاسم يحب وطنه وامته لسلك طريق ثوار فلسطين مثلا..ان يصبح زانيا .لصا فاسدا لخدمة القضيه ستجد كل الناس تحترمه وتفثح له الابواب ولكانت الطريق الى دمشق مفتوحه له لذا عليه ان يتعلم من ثوار فلسطين الدرس.