كتاب عربي 21

"عاصفة الحزم" على كتف مثقف إسلامي!

ساري عرابي
1300x600
1300x600
اقترفت إيران في السنوات الأخيرة خطيئة مركبة تتمظهر عناصرها في ذات السياسات الإيرانية المتبعة في البلاد العربية التي يخترقها النفوذ الإيراني، فهي من ناحية وضعت نفسها في مواجهة الأمة بواسطة مشروعها الذي بدا مفارقًا للأمة، ومعبرًا عن طموح إيراني صرف متناقض مع شعارات "الثورة الإسلامية" في مرحلة البراءة الأولى عن الوحدة الإسلامية والتصدي للاستكبار العالمي والتلاحم مع المستضعفين في الأرض، ومحمولاً على ركيزة طائفية ينفذ بها إلى المجتمعات العربية معتمدًا في ذلك على إعادة توظيف الشيعة في البلاد العربية داخله، وبتعزيز الشعور الأقلوي لدى المجموعات الدينية والمذهبية بغرض التحالف معها وإعادة توظيفها أيضًا، مستثمرًا تراثًا عريضًا من المعاندة لأمريكا ودعم المقاومة في لبنان وفلسطين لتوفير الغطاء الأخلاقي لمقاصده الحقيقية، بما يجعل فلسطين والمقاومة في موضع امتهان دائم.

ستساهم هذه السياسات في تفتيت المجتمعات العربية، خاصة في ظروف التفكك والسيولة والفراغ كما هو حاصل من بعد الثورات العربية، كما ستضاعف من شعور الأمة بالقهر الذي سيجد في العنف والفوضى منافذ للتعبير عن زفراته التي يغترقها الغضب.

اتضاح هذه السياسات في ظروف الثورات العربية، واستخدام إيران أدوات بالغة العنف في سوريا بتحالفها مع النظام السوري، وبالغة الإذلال لأهل السنة في العراق، ومع تغول حزب الله على المشهد اللبناني بقوة السلاح، واندفاع الحوثيين للهيمنة على اليمن بقوة السلاح أيضًا، سيجعها من ناحية ثانية ركنًا في الثورة المضادة في العالم العربي إلى جانب الدول العربية المتهمة من طرف الدعاية الإيرانية بالتبعية لأمريكا والتفريط في القضية الفلسطينية.

في هذه الحالة يمكن فهم التأييد الغريزي الذي يبديه الملايين في هذه البلاد وغيرها لحملة السعودية وحلفائها على الحوثيين في اليمن، بما هي في إدراك هؤلاء الملايين حملة على إيران نفسها التي يجدونها عدوًا في سوريا والعراق ولبنان، خاصة مع وجود ارتياب تاريخي لدى سكان الخليج تجاه إيران، ومع تبلور وعي طائف غير مسبوق لدى أهل السنة ناجم عن هذه السياسات الإيرانية، بالرغم من أن أهل السنة يفتقرون تاريخيًا بحكم طبيعتهم إلى أي نمط من الوعي الطائفي بخلاف الشيعة الإمامية، باستثناء حالات نخبوية تتمثل في اتجاهات علمية أكثر ما تظهر اليوم في التجليات السلفية المعاصرة.

هذا التأييد الشعبوي للحملة، انعكس في اندفاع عدد من الرموز الإسلامية الثقافية والدعوية لتأييد الحملة على نحو يفتقد للاتزان اللازم في التعاطي مع هكذا أحداث كبرى وخطيرة، وإذا أمكن تفسير هذا الاندفاع بما سبق عرضه من سياسات إيرانية، وبنزعة الارتياب تجاه إيران والتي لا تخلو من حس طائفي لدى سكان الخليج، بما في ذلك رموزه الثقافية والدعوية، وإذا كانت "عاصفة الحزم" فرصة لإثبات إسلاميي الخليج وطنيتهم بعدما عانوا من خطاب تخويني أفرزته حالة الاستقطاب التي أوجدتها السياسات الخليجية الرسمية المعادية للإسلاميين من بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، فإن التأييد المفرط باندفاعه تجاوز نخب إسلاميي الخليج وبلاد المواجهة المباشرة مع إيران، إلى غيرهم من النخب الإسلامية العربية.

من الواضح أن تفاؤلاً بالعهد الجديد في السعودية يخيل إلى تلك النخب إمكان التأثير على صانع القرار السعودي لتغيير اتجاهات تحالفاته نحو تركيا، ولتخفيف الضغط عن الإسلاميين، واتساقًا مع تموضعات تركيا وقطر والتي وطالما أنها في مواجهة إيران فإنها تنسجم مع توجهات تلك النخب نظرًا لاتفاق الإسلاميين عمومًا على تأييد الثورة السورية التي قصمت ظهر العلاقة مع إيران. 

بيد أن تلك الأسباب كلها غير كافية لتبرير هذه الحماسة التي وصل بها الحد في بعض حالاتها إلى تصوير الحملة على الحوثيين وكأنها بداية تشكل لمحور سني/ عربي يبشر بإمكان تحقيق تطلعات الأمة في التحرر من التبعية الأمريكية والتصدي للتمدد الإيراني في المجال العربي، كما أن تلك الأسباب غير كافية للحديث وكأنه لا مشكلة في الأساس مع تلك الدول التي شكلت الركن الأول في الثورة المضادة التي اقترفت واحدة من أكبر جرائم التاريخ بانقلاب عبد الفتاح السيسي وما تبعه ما جرائم، حتى لو تقاطعت معها المصلحة جزئيًا في اليمن أو سوريا.

نعم؛ ثمة حديث عن تغير في السياسات السعودية مع الحكم الجديد الذي بدأ عهده بإخراج بعض صانعي السياسات المضادة للثورات العربية من دوائر الحكم أو الحد من نفوذهم، بيد أن هذه الإجراءات جاءت على إثر النتائج الكارثية لسياسات العهد السابق على مصالح السعودية، ونتيجة لاعتبارات تتعلق بترتيبات خاصة بالعائلة الحاكمة، ولا تنم أبدًا عن تحولات في الرؤية إلى الثورات العربية أو الإسلاميين، وبتعبير آخر فإن الصحوة السعودية لم تبلغ مرحلة الاستدارة الكاملة في معالجة الكوارث التي خلفها العهد السابق والتي كان منها إباحة مجال السعودية الحيوي في اليمن لإيران بترتيب مع دولة الإمارات.

من هذه الناحية؛ لا توجد مشكلة في محاولة البناء على تلك التغيرات سياسيًا، أو الاستفادة من الصراع القائم بين ركني الثورة المضادة (الإيراني/ العربي)، إلا أن هذا لا يتطلب من المثقف أو الداعية التماهي مع الحكم الجديد، أو الانشغال بالدعاية له، أو المبالغة في تصوير الحملة ودوافعها ونتائجها وصولاً إلى مرحلة تضليل الجماهير، خاصة وأننا لسنا إزاء تغيرات جذرية في المواقع والسياسات الخليجية، على الأقل حتى الآن، وبالتالي، وطالما أن التغيرات لم تبلغ العمق المطلوب، وفي حال نجح تحالف "عاصفة الحزم"، وبالنظر إلى وجود الدول الأكثر عداء للثورات العربية والإسلاميين والمقاومة الفلسطينية في هذا التحالف، وبالذات مصر السيسي والإمارات، فإن الخشية قائمة من إمكان إعادة توظيف هذا النجاح في إطار الثورة المضادة، أو ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
التعليقات (9)
تبو محمد
الخميس، 02-04-2015 11:29 ص
نعم البعض تحمس كثيرا ، ولكن من السياسة و الحكمة "ما لا يدرك كله لا يترك جله". هذه الهبة و هذه الوقفة من الملك سلمان يجب ان يشكر عليه و يدعم من قبل الاسلاميين و الوطنيين. فالأمة بحاجة الى رفع الرأس و الصمود في وجه تغول الصفوية الايرانية. هناك خطوط حمراء وضعت من قبل الاستعمار العالمي، فيتم محاربة و انهاء وجود اي دولة اذا حاولت و قطعت هذه الخطوط الحمراء و هي مصالحها . اما ما كان تحت هذه الخطوط فالدول الاستعمارية لا تتدخل فيها كثيرا و تتركها للدول الأقليمية لمعالجتها اذا لم يكن فيها اي تهديد لمصالحها. فمن الحكمة العمل على أقصى قدر ممكن في هذا المجال المتاح لنا الآن و توظيفه لمقدراتنا و مصالحنا و قوتنا. و يجب ان لا نترك ايران الصفوية التي فهمت هذه اللعبة و هذه الخطوط الحمراء تلعب في هذه الساحة المتاحة بمفردها و توظفها لمصالحها التوسعية.
وليد الهودلي
الأربعاء، 01-04-2015 10:15 ص
لا شك بعمق وسعة أفق التحليل ؟ اتفق معكك كثيرا ولكن الحل الذي وضعته آخر فقة ليس شافيا وفيه مشكلة .. يعني البناء على هذا التحالف بحذر شديد .. هذه تحتاج الى ابداع اكثر وانت تستطيع ذلك .. ممكن مثلا نحن وجهتنا القدس ولا ندخل معمان اي تناقض عربي اسلامي وعندنا الاستعداد للتقاطع سياسيا مع كل من يتجه فعلا لا قولا نفس الوجهة
عمار
الأربعاء، 01-04-2015 02:46 ص
نفسي أفهم ليش تكرهون إيران أنتم الإخوان المسلمين
مصرى
الأربعاء، 01-04-2015 01:37 ص
يعبر المقال تعبير صادق عن الوقع بوضوح فشكرا لك على ذلك 0 واحب ان نبحث عن الاسباب والنتائج فاولا مسلسل دعم الثورة المضادة لم يتوقف على كافة الثورات العربية ثانيا معلوم انه لا يوجد دولة فى العالم الاسلامى تظهر او تعلن انها تحمى السنه او تدافع عنهم او تتحمل مسئولية حمايتهم او حتى الدعم والمساندة من جهت كونهم سنة الا ما كان يخدم اهدافهم الداخلية الخاصة او وفق توجيه الادارة الامريكية لفعل ذلك ثالثا معلوم كذلك ان الحركة الاسلامية وفى مقدمتها الاخوان المسلمون باتت هى المعبر الاقوى عن المشروع السنى للعالم الاسلامى واصبح المشروع السنى الذى يصطدم مع المشروع الشيعى الايرانى وكذلك المشروع الصهيوامريكى المفروض على كثير من حكومات العالم الاسلامى ( السنيه) لذا باتت القطيعة واضحة والخصام واضح والخلاف معلن بين كل مشروع وعلى ذلك فان دعاة الامل فى التحول المفاجاء لتوجهات حكومات بين عشيت وضحاها اصبح عبثا واستخفافا وامل لا يصح اعلانه للعامه وما بامانى المصلحين يغير الحكام وجهتهم ولم يكن يوم حلم المصلحين وامانيهم مسار دروب الحاكمين الموجهين انما اعلان الحق ورفض الظلم وايضاح الخلل وبيان اوجه الزيغ والانحراف ووضوح سبيل المؤمنين حتى يعلم الناس ويتبين الملتبس ويستقيم المعوج ويعلم الحكام ان فى الامة علماء وقاده يعلنون الحق وينصرون سبيل المؤمنين ويعلم الناس ان قادتهم علمائهم ودعاة الحق فيهم لا غيرهم وغيرهم لهم خدم يقتاتون من اموالهم ويعيشون على خيراتهم ويتقاضون على ذلك اجرهم وراتبهم فهل يحسنون العمل ويخلصون لشعبهم وامتهم وعلى ذلك نرجع الى الاسباب والنتائج اما الاسباب فمرجعها الى اي مشروع تخدم فى البدايه كان المراد صدام الاصلاح اليمنى بالحوثيين والان يصطدم الاصلاح بالحوثيين تفتيت الجيش اليمنى وتدميره وهذا ما حصل انهاك الاقتصاد اليمنى وزيادة فقر الفقير وهذا ما يستمر ارهاق معنى الحرية الديمقراطيه والعيش الكريم فى نفوس العامه اجهاض الثورة والرضا بالمتاح قبول الامر الواقع اما حماية مصالح اسرائيل واقتصادها ومشروع تقسيم اليمن والتحرك وفق التوجهات الامريكية ولدارة العمليات فى البحر الاحمر وامن حاملات الطائرات الامريكية وحماية المصالح الامريكية فى المنطقة فهذا لا يعد من الاسباب ولو كان من واقعا لتقدم له اصحابه واما غير ذلك فما هو الا سيناريو تحقيق الاسباب بشكل مختلف واما النتائج فلصالح اى مشروع تصب هذا ما ستكشفه الايام من تحقيق للاسباب وما يحيق المكر السيئ الا باهله ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ولو شاء ربك ما فعلوه وسيعلم الذين ظلموا اى منقلب ينقلبون
ضياء عبود
الثلاثاء، 31-03-2015 05:00 م
ما تقوله صحيح لكن رغم كل شيء يمكن أن يترتب على تحالف عاصفة الحزم في اليمن فلا يستطيع أحد ينتمي لهذه الأمة معارضة التحالف مهما كانت حقيقة دوافع التحالف وحقيقة الدول المشتركة به لأن ذاك سيعتبر خيانة لأن إيران عدو باختيارها هي ولأنها دولة غريبة عن متطقتنا العربية فهي دولة أجنبية ونحن عرب