كتاب عربي 21

حرب في حكم العدم

طارق أوشن
1300x600
1300x600
دعا رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس يوم الثلاثاء الفائت، في خطاب ألقاه بجامعة ستراسبورغ، إلى إبراز "الإسلام الفرنسي" المعتدل ومحاربة التطرف الديني. 

وكان أبرز ما جاء في كلمته الحديث عن ضرورة إنهاء التمويلات الأجنبية لبناء المساجد وتكوين الأئمة بفرنسا دون تقديم خطة بديلة بالنظر إلى أن قانون اللائكية الفرنسي يحظر تدخل الدولة في تشييد وبناء أماكن العبادة. 

دعوة فالس مردها محاولات مستميتة للدولة الفرنسية منذ الهجمات التي وقعت بباريس شهر يناير الماضي إلى تحميل "الخارج" المسؤولية الكاملة في جنوح عدد من مواطنيها إلى تبني الفكر الجهادي من خلال الانضمام الفعلي أو التعاطف مع التنظيمات المسلحة الناشطة بأرض الشام. 

ومنذ تلك الأحداث وفرنسا الرسمية "تحارب" على جبهات عدة ترى أن "الإسلام المتطرف" يتسلل من خلالها. والهدف، منع نقل فصول الحرب الدائرة هناك إلى الداخل الفرنسي، والخطوة الأولى منع التحاق الشباب بصفوف التنظيمات المسلحة بما يشكله هؤلاء من خزان محلي يمكن أن ترتد أسلحته إلى مؤسسات فرنسية محلية. 

لم تتوقف وسائل الإعلام الفرنسية منذ ذلك التاريخ في تقديم مواد إعلامية تستعيد من خلالها تجارب فرنسيين وقعوا "ضحية" الدعاية الجهادية على مواقع التواصل الاجتماعي وبقية المواقع الالكترونية المنتشرة في الفضاء الافتراضي. وهي المواقع التي جعلتها السياسة الأمنية الجديدة لفرنسا قطب الرحى لعملياتها الاستباقية لأي هجمات إرهابية مستقبلية. 

لم تختر فرنسا الانجرار وراء رد انفعالي تبث القنوات الفضائية لقطاته على صور الزعماء والأناشيد الوطنية الحماسية كما هو حال دول عربية، أو دعوات "إعلاميين" إلى إغلاق الفيسبوك والتويتر "في ظل تربص اقليمي ودولي وانحطاط أخلاقي وفكري" يصعب معه بناء الجمهورية الثالثة بمصر،  بل اختارت العمل على "حماية" شبابها من الوقوع فريسة للآلة الدعائية الفتاكة التي استطاع تنظيم داعش أن يخترق بها أسوار منازل وغرف الفرنسيين في عقر ديارهم. وشكل الفيلم الوثائقي (الشباب في مواجهة الاسلام الراديكالي) نموذجا للمواد الإعلامية التي سعى القائمون وراءها إلى دق ناقوس الخطر من خلال محاولة كشف الأساليب المتبعة من طرف داعش وغيرها على مستوى الدعاية والاستقطاب عبر الانترنت.

يبدأ الفيلم الوثائقي من صور "المسيرة الجمهورية" التي دعا إليها الرئيس فرانسوا هولاند في محاولة منه لاستعادة شعبية تدنت إلى نسب لم يصلها رئيس قبله. وعلى صور المسيرة يحدد الفيلم منذ البدء منابع الخطر "الإرهابي" الزاحف على فرنسا في شبكة الانترنت، المخترقة لكل البيوت الفرنسية، حيث يعجز آباء عاديون عن إنقاذ أبنائهم المراهقين وهم يغرقون في المستنقع بحثا عن إعطاء حياتهم هدفا ومعنى وجوديين عبر السفر إلى سوريا. الواضح أن ما يهم فرنسا بالدرجة الأولى هو حماية حدودها من الاختراق أما أن ينتقل شباب الضواحي ليكونوا حطبا لنار حرب مستعرة بين المسلمين فلا ضير. ولولا الهجوم على مقر صحيفة شارلي ايبدو والمتجر اليهودي لما اهتم الفرنسيون بالموضوع. فالحرب هناك في الشرق الأوسط مجرد صور وأخبار تؤثث نشرات التلفزيون وصفحات الجرائد وتلهم بعض السينمائيين والصحفيين لإنجاز أفلام وتحقيقات حول الموضوع. إنه مجرد ترف فكري إلى أن تستهدف البلد ومعها "يهود فرنسا" فيتحول إلى أولوية وطنية بلبوس دولي.

في الفيلم استعراض لقصص خمس حالات لراشيل وكاتي وسامي ونورا ولوي، وكلهم مراهقون (15 إلى 17 سنة) من عائلات ملحدة ومسيحية ويهودية ومسلمة. هم نسيج واضح مختار بعناية للواقع التعددي الفرنسي وقعوا تحت تأثير دعاية "داعش" حسب ما يقولون ومعهم أهاليهم.

يتحدث فؤاد، وهو فرنسي من أصل مغربي، عن أخته الصغرى نورا التي التحقت ذات صباح بتركيا ومن خلالها بالأراضي الواقعة تحت سيطرة التنظيم، وكيف استطاع لقاءها هناك بمجهود فردي دون أن يسمح له باستعادتها. أما دوني، الملحد، فقد كانت صدمته كبيرة حين اكتشف أن ابنته في علاقة مع فتيات من نفس عمرها يدعينها للجهاد.  

ويحكي سامي، الذي لم يسبق له مغادرة البيت الأسري، عن مغامرته حين قرر العودة إلى فرنسا ثلاثة أسابيع فقط على التحاقه بصفوف التنظيم. وهو الكلام ذاته على لسان لوري وراشيل اليهودية الديانة. هنا يتكشف كيف أن الدعاية "الجهادية" استطاعت اختراق كل الديانات والجهات الفرنسية وكذا الطبقات الاجتماعية. فالشباب في غالبيته يعيش فراغا روحيا ويبحث عن دافع إيجابي يشعره بذاته ووجوديته وهو ما تفوقت فيه مواقع التنظيمات الجهادية وأفلامه المنتشرة في كل مكان في مواجهة إفلاس مجتمعي ورسمي لدى فرنسا وطبقتها السياسية المشغولة منذ سنوات بالمد اليميني، الممثل في الصعود المتنامي لحزب الجبهة الوطنية بما يمثله ذلك من تهديد لمكاسبها، فاختارت في غالبيتها السير في طريق المغالاة ومحاولة مجاراة اليمين في رقعته المحدودة التي يجيد دون غيره اللعب فيها. والنتيجة تهميش فئات عريضة من المجتمع الفرنسي تولد لديها إحساس طاغ بالدونية والإقصاء.

في الاجتماعات التي حضرتها كاميرا البرنامج ونظمتها جمعيات مدنية بالضواحي الفرنسية يبدو لنا البون شاسعا بين خطاب الشباب وأسئلتهم وأجوبة من أوكلت لهم مهمة تأطيرهم. كما يتبدى البون شاسعا أيضا بين إبداعية حملة الاستقطاب الداعشية ومحدودية وفقر الخطاب المضاد المبني على أحكام جاهزة مستهلكة تحاول شيطنة الآخر وتقديمه كمجرد مهووس بالنساء والجنس، في اتساق تام مع تعطش جمهور جبل على تلك الكليشيهات التي لم تفلح في النهاية من تحصين الجبهة الداخلية من الاختراق. 

ولعل في الحلول التي يقترحها صناع السياسة والإعلام إعلان فشل مسبق، عماده حلول مجزأة لوضع معقد يختلط فيه السياسي بالديني والمحلي بالدولي. لقد شكلت استعارة مآسي الشعب الفلسطيني ومعه كثير من شعوب المنطقة العربية من الاحتلال الاسرائيلي والغطرسة الغربية حقيقة تحاول السياسة الرسمية، وهي المتورطة فيها بمالي وليبيا وافريقيا الوسطى وغيرها، تجاهلها والقفز عليها لكنها راسخة في أذهان شباب منقسم بين هوية أصلية وأخرى "مستعارة" لا تعترف به إلا لماما. 

تتحدث الإحصائيات الرسمية عن 28 بنتا و26 ولدا بيد الجماعات المسلحة بسوريا. لكن الجمعيات العاملة في الميدان تتحدث عن أرقام مضاعفة. كما أكد أحدث تقرير للمخابرات الفرنسية ارتفاعا قياسيا في عدد الجهاديين الفرنسيين في الفترة الفاصلة بين يناير 2014 ويناير 2015، حيث ارتفع من 555 إلى 1281 شخصاً. وفي الوقت نفسه يؤكد وزير الداخلية الفرنسي أن 90 بالمائة من هؤلاء تحولوا إلى الإسلام الجذري من خلال الانترنت. هذا المعطى الأخير لا يزال مثار جدل بفرنسا التي تعتبر نتائج الدراسات التي اعتمده الوزير غير ممثلة للواقع، وهو ما يدفع إلى طرح السؤال مجددا حول جدوى القرارات التي بنيت عليها لتشديد الرقابة على الانترنت دون غيره من وسائل الاستقطاب الأخرى. 

كما يناقش الفرنسيون الحل الأمثل للتعامل مع "العائدين" تشجيعا لعودة هؤلاء وهم الذين يواجهون عقوبة السجن بفرنسا. فؤاد أحد شخصيات الفيلم تمكن من الوصول إلى أخته ووالد سامي انتقل إلى تركيا حيث استطاع استعادة ابنه وبقية الآباء يجاهدون لإنقاذ أبنائهم من المرور إلى مرحلة الفعل. كل هؤلاء يطرحون السؤال عن غياب الدولة في التصدي لظاهرة سفر الأطفال القاصرين إلى مناطق الصراع مع أن الأمر لا يحتاج أكثر من قرار واضح وتنسيق أمني فعال. 

في الأيام الأخيرة قامت فرنسا بتجريد ستة من مواطنيها من جواز السفر للاشتباه في استعدادهم للسفر إلى سوريا، في الوقت الذي لا تزال فيه بريطانيا مشغولة بالتقصي حول مصير ثلاثة مراهقات يعتقد أنهن غادرن إلى هناك. هي معركة طويلة الأمد تستنزف الدول أكثر مما تؤثر في سيولة تدفق "المهاجرين" و "المهاجرات".

قبل أشهر، كانت الأجهزة الأمنية الفرنسية في انتظار عودة ثلاثة جهاديين فرنسيين بمطار باريس. في تركيا غير هؤلاء وجهتهم إلى مارسيليا فدخلوا البلاد آمنين دون مشاكل بالمطار،  ولم تعلم السلطات بوجودهم إلى أن بادروا بتسليم أنفسهم. وقبل أيام "فوجئ" الوسط السياسي الفرنسي بزيارة أربعة نواب برلمانيين لسوريا ولقائهم بشار الأسد. أحداث كهذه تؤكد أن حرب فرنسا الالكترونية على التنظيمات الجهادية حرب في حكم العدم، كما حال الضربات الجوية الاستعراضية التي تزعمتها دول عربية ولو قادها ملك أو أشرف عليها انقلابي، في بلد يعيش فيه خمسة ملايين مسلم وفي فضاء افتراضي يصل عدد مستخدميه عبر العالم ما يفوق الثلاثة مليارات مستخدم. 
التعليقات (0)