كتاب عربي 21

صناعة الأقليات ليست مؤامرة فقط

1300x600
1300x600
عندما يقال إن الكرد في سورية أقلية فهذا يعني بالمنطق القومي أن المسيحيين والعلويين والدروز جزء من الأكثرية العربية على أرض سورية. لكن وفق التصور الغربي لنا، فإن العرب من غير المذهب السني هم أقلية أيضا. وعليه فهم أصحاب مظلمة تاريخية وراهنة، وبانتظارهم مستقبل أشد حلكة. ولا حامي لهم غير بشار الأسد.   

ليس الرد على ذلك التصور بالكلام الإنشائي بأنه لا يوجد تفرقة ولا تمييز وأن المؤامرة الاستعمارية في الماضي والحاضر هي التي تفتعل تلك الخلافات. ببساطة، عاشت هذه المنطقة قبل استقرار مفهوم الدولة الحديثة أفضل كثيرا مما عاش الغرب الذي سبقنا في آخر قرن أو نصف قرن على وجه الدقة.     

فلا توجد منطقة تعج بالتنوع الثقافي والديني واللغوي مثل بلاد الشام أو سورية الطبيعية. ولم يعرف تاريخ المنطقة الإبادة التي عرفها الغرب حتى الحرب العالمية الثانية، كل الأديان التي سبقت الإسلام ظلت موجودة، وكذلك كل المذاهب المنشقة عن الإسلام، أو المنتمية له. في المقابل، وإلى اليوم ما يزال التمييز العرقي والمذهبي والطائفي موجودا سواء في الأنظمة والقوانين أم الممارسة والثقافة العامة.  
 
في سورية ما بعد الدولة العثمانية، قدم العرب والكرد والمسيحيون واليهود والدروز والعلويون والشيعة نموذجا متقدما كثيرا على أوروبا وأميركا في ذلك الوقت. لم تتحقق المواطنة كاملة، لكنها كانت في طريقها للتحقق. إن كانت أميركا تفخر بأنها قبل سنوات قدمت أميركيا من أصول أفريقية رئيسا، ففي سورية تولى رئاسة الوزراء مسيحي وكردي وكان الدرزي سلطان باشا الأطرش قائدا عاما للثورة السورية.  
  
 لم يبق إلا مؤرخ صهيوني غي بخور لينعى الوجود المسيحي في المنطقة، مع أنه يعرف أن تأسيس الدولة العبرية ساهم في تهجير أعداد كبيرة من المسيحيين، وأن الحركة الصهيونية هجّرتهم تماما كالمسلمين، وأن الحركة الوطنية الفلسطينية سواء في الداخل أو المهجر ضمت وجوها مسيحية بارزة. وأول من أمس تساءلت الواشنطن بوست عن إمكانية بقاء المسيحيين في المنطقة.
   
جريمة الصهيونية بحق المسيحيين الفلسطينيين لا تعفي الآخرين، وعلى رأسهم نظام الأسد، ففي عهد الأب والابن غادر أكثر من مليون مسيحي، ولا يعفي كذلك دولة العراق والشام الإسلامية التي أحرقت كنائس وحولت بعضها إلى مقرات"دعوية"! 

في المقابل انتخب المعارضون ومنهم الإخوان المسلمون جورج صبرا رئيسا للمجلس الوطني، ميدانيا قاتل مسيحيون ووفروا ملاذات لمقاتلي المعارضة حتى من جبهة النصرة، كما في بلدة معربة وغيرها. الكرد تعرضوا في ظل نظام الأسد  لتمييز مرعب وصل إلى درجة استثنائهم من الإحصاء العام ، وتغيير أسماء مناطقهم، وتجنيد عشائر عربية لمحاربتهم.      تُصنع الأقليات لغايات سياسية سواء إيرانية أو إسرائيلية أو حماقات متشددين. الإيرانيون والإسرائيليون يريدون أن يتوسعوا في المنطقة بوصفهم "أقليات" تحمي "أقليات". وبذلك يشعر الكردي أنه أقلية مقابل العربي، والمسيحي أقلية مقابل المسلم، والمسلم السني في العراق أقلية مقابل الشيعي والجميع بحاجة للحماية الإقليمية والدولية.  

تستطيع بلاد الشام أن تستعيد نفسها، منطقة تضج بالتنوع أرضا وناسا، وتبني دولة حديثة تشبه التي بنيت في عهد الاستقلال وقبل انقلاب الأسرة الأسدية، تماما كما تستطيع أن تتفسخ إلى ما هو أدنى من الكسور الطائفية والأقوامية والمذهبية. تلك مسؤولية أهلها بالمقام الأول، مهما كانت أهداف الخارج ، فصناعة الهوية الوطنية الجامعة قادرة على هزيمة صناعة الأقليات.
التعليقات (0)