كتاب عربي 21

تهويد القدس مسنود بالثورة المضادة

طارق الكحلاوي
1300x600
1300x600

أحد أهم عناصر السردية السياسية للممتنعين عن القبول بالمسارات الديمقراطية كانت - بلا شك - أننا بصدد "ربيع عبري"، وأن موجة الثورات تحديدا سنة 2011 ما هي إلا مؤامرات أجنبية، وأن السعي لإرساء الديمقراطية أدى إلى "تقويض الأوطان والجيوش"، ومن ثم استعادة "قوة الدولة وهيبتها"، وتأجيل الاستحقاق الديمقراطي والثورة المضادة؛ هي جدار الصد أمام هذه المحاولات. هذه الصورة تشمل أيضا تاريخا معاصرا مزيفا للمنطقة؛ يشير ضمنيا إلى أن النظام العربي الرسمي كان "صامدا بصمت أمام الضغوط الأجنبية"، وأن أمثال ابن علي ومبارك كانوا يقفون ضد محاولات الهيمنة الأجنبية. وهكذا كانت الثورة المضادة ضد أي نفس تحرر سياسي، والتي قادتها عدة الدول، من أهمها السعودية والإمارات، وتجسدت بشكل نموذجي في مصر السيسي، كان يتم التسويق لها بأنها تسعى "لإعادة الاستقرار ووحدة الدول والأوطان". كان ذلك على الأقل مضمون الناطقين "القوميين" باسم الثورة المضادة.

 

بالإضافة إلى العوامل الخاصة بترامب والسياق الأمريكي، لم يكن قرار إعلان "القدس عاصمة لإسرائيل" ممكنا أيضا؛ لولا دعم ضمني من النظام العربي الرسمي الذي سبق الثورات


بيد الظروف المحيطة بقرار ترامب يحيلنا إلى واقع متناقض تماما مع هذه السردية المزيفة. وبالإضافة إلى العوامل الخاصة بترامب والسياق الأمريكي، لم يكن قرار إعلان "القدس عاصمة لإسرائيل" ممكنا أيضا؛ لولا دعم ضمني من النظام العربي الرسمي الذي سبق الثورات، والذي استعاد زمام المبادرة في السنوات الأربع الأخيرة. بل إن أحد شروط تجدد هذا النظام من خلال صعود جيل جديد على رأسه، ممثلا خاصة في الثنائي "ابن سلمان - ابن زايد" يستند إلى "صفقة القرن"، أو بمعنى اخر تصفية القضية الفلسطينية.

مقال نيويورك تايمز الذي صدر أخيرا، والذي يفصل جهود محمد بن سلمان في محاولة إقناع السلطة في رام الله بخيار "أبو ديس"، هو أحد العناوين الفاقعة لهذا الواقع. وحسب الصحيفة الأمريكية، التقى وليُ العهد السعودي رئيسَ السلطة الفلسطينية الشهر الماضي، وعرض عليه اقتراحا غير متوقع هو التخلي عن القدس الشرقية كعاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية؛ لصالح منطقة أبو ديس، جنوب شرق المدينة المقدسة.

موقع "بوليتيكو" أشار من جهته؛ إلى "وجهة نظر كوشنر (صهر ترامب والمكلف بالملف الإسرائيلي)، وفقا لأشخاص مطلعين على تفكيره، بأن الأمل أن الإعلان سيحقق وعدا طويل الأمد، ولكنه لا يلحق ضررا يذكر بالعلاقات التي أقامها مع لاعبين في الشرق الأوسط، مثل ولي عهد المملكة العربية السعودية، محمد بن سلمان. وقال شخص مقرب من الإدارة: "أعتقد أن (ترامب) وجاريد يريان أنه بعد كل المواقف، وبعد أيام قليلة من الاضطرابات، ستعود الأمور إلى طبيعتها عندما يتعلق الأمر بالمفاوضات".

كما يشعر كوشنر كما لو كان لديه دعم خاص من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة. وقال الشخص الذي يتحدث إلى كوشنر: "إنها خطوة جريئة وجريئة. يتم تأمين جاريد وابن سلمان، ويقولون 120 عاما من هذا لم ينجح. دعونا نأخذها في أيدينا".

وأشارت مجلة لوبوان الفرنسية إلى أن التوجه السعودي مؤسس على رئيسية العداوة مع إيران. وتشارك السعودية الآن في مواجهة ضد إيران لأسباب دينية (سنية مقابل شيعية)، وسيادة جيوسياسية. في غضون بضع سنوات، تقدمت بيادق طهران في العراق وسوريا ولبنان، ومؤخرا في اليمن، والرياض ترى هذا الجار، مع الطموحات النووية، قد نشر تهديدا أكثر إثارة للقلق بكثير نظريا من الدولة العبرية.

ومن جهتها، توصلت السلطات الإسرائيلية إلى نفس الاستنتاجات، خاصة وأن القوات الإيرانية موجودة بشكل كبير في سوريا، وتستمر في تسليح حزب الله اللبناني. وكان هذا القاسم المشترك كافيا لتقريب المملكة العربية السعودية من إسرائيل، ولكن لا يوجد اعتراف في هذه المرحلة.


والاقتراح السائد لابن سلمان بتغيير العاصمة إلى أبو ديس؛ يناسب هذا السياق الفريد. ولإزالة العقبة التي تمثلها القدس الشرقية، يجب ضمان الاعتراف المعترف به من جانب إسرائيل، ولكن أيضا من جانب دونالد ترامب الذي قرر جعل القدس عاصمة الدولة اليهودية الوحيدة. باختصار، هو تجنيد الحلفاء في اللعبة العظيمة التي تعارض هذه الثيوقراطية الأخرى؛ التي هي إيران.

 

توجه ابن سلمان يأتي أيضا في سياق تأمين عرشه واستلامه القادم للسلطة، وحاجته لحماية واشنطن ضد أي رياح داخلية أو خارجية


الحقيقة أيضا أن توجه ابن سلمان يأتي أيضا في سياق تأمين عرشه واستلامه القادم للسلطة، وحاجته لحماية واشنطن ضد أي رياح داخلية أو خارجية بمواجهة انتقال السلطة من جيل أبناء عبد العزيز بن سعود إلى أحفاده.

هذا الإسناد من الثورة المضادة لا يتوقف عند ابن سلمان، لكن يتجاوزه، مثلما أشار محللون إسرائيليون، هذا الأسبوع، إلى أنظمة أخرى مثل نظام السيسي والإمارات والأردن.

بمعنى آخر؛ العودة إلى النظام العربي الرسمي تعني العودة إلى منظومة التسويات التي يدفع نحوها الإسرائيلي، ولكن الآن بسرعة أكبر وبشكل هستيري ينزع إلى المغامرة والرهان على صمت الشعوب.. هي قراءة خاطئة للركود الشعبي السائد إثر هيمنة الثورة المضادة.. هي ثقة مفرطة لا تقرأ دروس التاريخ، وأن ما يحدد السياسات ليست الغرف المغلقة، بل موازين القوى الكبيرة، والتي أصبح أحد أهم عناصرها المارد الشعبي الذي انطلق في 2011 ولن يبقى في قمقمه كثيرا.

التعليقات (0)