قضايا وآراء

حكاية مصر و مهدي عاكف

عمرو عادل
1300x600
1300x600
في كل  الأمم والحضارات سواء كانت قوية أم ضعيفة يظهر رجال لا يمكنك رواية التاريخ دونهم، ويبدو ذلك واضحا عندما نتحدث عن من هم بالسلطة، وخاصة عندما تكون السلطة هي كاتبة التاريخ وصانعة العقل، فتكتب ما تشاء تمجيدا فيمن تشاء، وسواء كان هؤلاء الرجال يستحقون أن يكتب عنهم أم لا فستجدهم يحتلون كتب التاريخ. ولا أتحدث عن التاريخ المزيف بل أتحدث عن كتاب التاريخ الحقيقيين، فالغالب أن المعيار المحوري في الاهتمام هو مدى تأثير هذه الشخصيات في مسارات ومستقبل الأمم ولا يوجد أكثر تأثيرا من السلطة في ذلك. 

وهناك فارق هام بين الأمم الراقية العادلة وبين الأمم المستبدة الظالمة حتى في كتابة التاريخ؛ فالأمم العادلة كما تنتج الأفكار والمفاهيم والعلم؛ لا تنتج تاريخا مشوها بعنف، فتكون العدالة في السرد والتقييم للأفراد والأحداث قدر المستطاع، أما الأمم المستبدة فالتاريخ يكتب بهذا الطابع الاستبدادي ويشوه الواقع ويصنع أبطالا وهميين ويخفي الأبطال الحقيقيين.

وفي دولنا العامرة بالخيانة التي لا تعيش بدون استبداد؛ فالوضع أكثر سوءا، فنجد الأبطال بالسجون ويقتلون ويشوهون في التاريخ الرسمي، ويصبح الخونة أبطالا ورجالات للدولة والسلطة، فتزداد المأساة مع الوقت ويصبح ما يكتب في كل المصادر هو صورة مشوهة تماما وتصبح الحقيقة ضوؤها خافت يصارع الظلام الممتد.

ومصر نموذج مبهر في تلك الخيانة المتكاملة، فعلى مدى تاريخها الحديث لا نجد إلا تشويها تاما لكل أبطال مصر الكبار، أو تشويها جزئيا بتغيير بعض الأمور وإعادة تشكيل الأبطال في المساحة التي ترغبها السلطة، فمثلا؛ الإمام حسن البنا بدلا من يصبح رمزا من رموز مصر، يتم تشويهه ونشر كراهيته بشكل مستفز، وكذلك البطل مصطفى كامل تحول بفعل السلطة من داع للوحدة الإسلامية إلى داع للوطنية.

وفي الأيام الأخيرة ظهرت واحدة من المظاهر الصارخة بعد وفاة المجاهد الكبير محمد مهدي عاكف، فهذا البطل المناضل الذي قضى حياته مدافعا عن أرضه وعن أمته؛ يموت في سجن الظالمين ويدفن دون جنازة، بينما يصبح الخونة مخلدين في التاريخ كأبطال مظفرين، ما حدث مع الإمام حسن البنا منذ ما يقرب من 70 عاما؛ حدث بتفاصيله مع المناضل مهدي عاكف وكأن مصر عبر هذه الأعوام السبعين مأسورة من الخونة.

مهدي عاكف الذي حارب أمام المحتل وحارب أمام الصهاينة وقضى حياته في سجون الخونة دفاعا عن شعب مصر البائس لينال حقه في حياة كريمة؛ لا يجد في بلاد الظلم مصر جنازة تليق به بعدما عاش حياة طويلة مليئة بالكفاح والمعاناة.

إن هذا حال كل من يحمل هم مصر وشعبها وكل من يدرك حقيقة الخونة حكام مصر، وسيستمر الأمر هكذا في حكاية متكررة لمهدي عاكف ربما سنراها بعد سبعين عاما أخرى ولكن باسم مختلف، إلا إذا تركنا المسارات القديمة وبدأنا في مسارات مختلفة للتعامل مع الجميع؛ مع السلطة ومع الشعب.

فالجماهير قد تتعاطف مع الضحايا والمظلومين ولكنها أبدا لا تتحرك وراءهم وتخشى من أن يتحولوا هم الآخرون إلى ضحايا، فليس الجميع بنبل مهدي عاكف، كما أن السلطة لا تكترث كثيرا بالنبلاء؛ بل على العكس تستخدم هذا النبل في تثبيت جبروتها وقهرها للشعب وربما تستمتع بمشهد الجلاد للضحايا وتدرك جيدا أن الجماهير مهما تعاطفت مع المظلوم فإنها في النهاية لا يمكنها السير إلا وراء القوي.

فهذا المسار الشديد النبل – إن صح التعبير- يفقدك الجماهير ويزيد من سيطرة السلطة الظالمة وهذا أعتقد أنه عكس ما تريده بشكل كامل وحاسم أي قوى تحلم بالتحرر. ولذلك فإن مشهد وحكاية مهدي عاكف هي اختصار صادم لكل حكاية مصر وصراعها المستمر بين المصريين وبين السلطة التي لا تنصفهم أبدا.

على أية حال زاد الشهداء النبلاء شهيدا وخلت زنزانة من زنازين العسكر الخونة، سيكون أحد الأبطال آجلا أم عاجلا ضيفا عليها، والبقاء في هذه الدائرة الملعونة سيدمرنا جميعا ولن يبقى في مصر إلا الخونة وأصحاب علم الألوان السبعة.

إن الخروج من تلك الدائرة لن يأتي إلا بفتح مسارات أخرى تخرجنا من حالة متلازمة نبل الضحية التي لا تحرك الجماهير إلى حالة قيادة الجماهير للثورة وتحرير مصر مهما كان الثمن، فحجم ما دفعته مصر وأحرارها عبر المئتي عام الأخيرتين فاق كل أثمان أكثر الثورات شراسة، وكل يوم نراوح فيه مكاننا دون حسم التوجه الاستراتيجي. يعني أن خسائرنا المقبلة ستكون أكثر قسوة.

رحم الله الشهيد ونأمل أن يأتي اليوم الذي تملأ فيه أسماء الشهداء شوارع مصر وكتبها. 
0
التعليقات (0)

صناعة الجوع

12-Sep-17 06:17 PM