كتاب عربي 21

صانع "الفناكيش" وبائع الأوهام

سيف الدين عبد الفتاح
1300x600
1300x600
بعد مرور عام على افتتاح ما أسماه إعلام الإفك التابع للسيسي بمشروع قناة السويس الجديدة، مر هذا الأمر وكأنهم يريدون هذه المرة أن يقوموا بتغطية لهذا الأمر الذي أفرطوا في وصفه، وبدت كل العناوين في الصحف تدور حول "مصر تحتفل"، ومن جراء هذه التعمية على هذا الحدث، فإنه أراد أن يستبدل ذلك باحتفال آخر أسماه "عيد العلم" تحدث فيه محذرا من أن أيام مصر القادمة ستكون أشد بؤسا.

متوالية الأوصاف الفائضة التي أصدرها السيسي في البداية من أن "مصر أم الدنيا" وستصير "قد الدنيا" تدهور بها الحال بأن تكون "شبه دولة" والتأكيد على أننا "فقراء أوي أوي"، وانتهى به الأمر إلى التحذير من بؤس أشد ربما لا يعرف له وصف، هذه هي حال الغادر وحال بائع الأوهام الذي أراد أن يجتذب الناس إلى إنجازات وهمية وإلى مشاريع أسماها بالقومية وما هي إلا فناكيش مصطنعة، أراد بها أن يلهي الناس ويمارس إفكه المستمر ليتحدث بعد ذلك عن إنجازات الكل يعرف أنها لم تكن أبدا، وأنه إن كان له إنجازات فهي بالسلب على عموم الناس تضييقا وعلى معاشهم ضنكا وغلاء.

"مشروع قناة السويس الجديدة" صار "تفريعة"، وبعض الناس الذين خدعوا في فوائد وهمية مرتفعة استيقظوا فجأة على تعويم الجنيه وارتفاع الدولار حتى تربع وتغول ولم يعد للجنيه قيمة تذكر، وتآكل رصيد الناس وتلاشت مدخراتهم، استيقظ الناس على تلك الفجيعة ليروا أنهم مع الفائدة فإن ذلك لا يوازي التضخم الحادث أو الفروق التي حدثت في غلاء الأسعار، أحس الناس بخديعة كبرى ومن ثم فقد ألغى احتفالا وغطى أموره باحتفال آخر إلا أنه هذه المرة وعد الناس بالبؤس ومزيد من الفقر.

لم تتوقف عملية النصب الكبرى عند حدود مدخرات الناس التي جلب منها أكثر من 64 مليار جنيه لا يعرف بأي حال، إلا قدرا يسير منها، إلى أين ذهبت وفيما وظفت، في قصة المليارات تلك وجب علينا أن نعود إلى كلام صدر من الكاهن الأعظم الذي طاله الموت بعد أن جاوز عمره التسعين، "محمد حسنين هيكل" الذي تحدث تارة عن مرشح الضرورة تحدث هذه المرة عن أن الناس قد أعطته ثمرة أموالهم ثقة فيه ودعما له، وجعل من المزايا أنهم لم يطالبهم بدراسة جدوى لمشروع التفريعة، ليؤكد أن الثقة كانت أكيدة وبلا حدود، أتصدقون أن هذا "الكاهن" الذي وجع أدمغتنا بالتخطيط والتدبير إذا به يحتفي ويحتفل بأن الناس قد أعطت السيسي الأموال رغم أنه لم يقم بدراسة جدوى، ومن هنا كان هذا المشروع الفنكوشي الذي تشير التقارير إلى قلة المدخول رغم أنه قد أشار كذبا ذات مرة إلى أن ذلك المشروع قد تكلف من المليارات العشرين، وأنه قد جمع في لحظة كلامه تلك العشرين أو ما يزيد عليها، كذابُ أشر يتلاعب بالناس ويطلق الأرقام لا أحد يحاسبه ولا أي أحد يراجعه، فقط يتحدث عن إنجازات وهمية يحاول أن يقنع الناس بها، فإن لم يروها اتهمهم بالعمى هذا هو شأن مشاريعه القومية الفنكوشية.

أما صاحبه "مميش" من ترأس هيئة قناة السويس بدأ يطلق الأرقام والتقديرات لاستكمال عملية النصب الكبرى على عموم الناس، يؤكد أن مئات المليارات من الدولارات ستتدفق في قابل الأيام، وأن هذا المشروع سيسد احتياجات مصر، فإذا بالأمر على غير ذلك تراجع في مدخول قناة السويس وإيراداتها بل وفي عدد السفن التي تمر بها لا كما توقع الفناكشة، ومع ذلك يصر "مميش" على أن إيرادات قناة السويس قد زادت إلا أنه هذه المرة ينصب نصبة كبرى حينما يقدر الزيادة بالجنيه المصري لا بحسابات الدولار المعتادة، نصب في نصب وإفك على إفك وتزيف وتزوير لإنجازات وهمية ومشاريع زائفة قومية.
 
وحينما ووجه هؤلاء بكذبهم وواقع أمرهم، وأن هذا المشروع كتب عنه القاصي والداني بأنه لم يستند إلى دراسات جدوى وأنه لم يؤخذ فيه رأي الهيئات القومية القائمة على التخطيط، شرع المنقلب يطلق أحد نكاته السمجة بأنه لم يكن مقصودا أن يكون هذا المشروع من المشروعات التجارية ذات العائد الاقتصادي وأن هذا المشروع كان لرفع الروح المعنوية لدى المصريين، لا ندري لهذه النكتة السمجة أصلا ولا فصلا إلا أن يمارس نصبته الكبرى، أي روح معنوية تزيد من خلال مشروعات وهمية زائفة لا أساس لها، أو أنه أكد عزيمة المصريين، أي عزيمة تلك يمكن أن تظهر في غير ميدان وبدون مردود وأثر.
    
إن ذلك لا يمكن أن يصلح في استراتيجية للنهوض بذلك الوطن أو التنمية فيه، ولكنها مشاهد تهدف من كل طريق لهدم قدرة هذه البلاد وإهدار مواردها فيما لا يفيد، ثم يتحدث حديث الشؤون المعنوية أنها لم تكن تهدف إلا لرفع الروح المعنوية لهذا الشعب، فمنذ متى يمكن أن تستنفر النفوس من خلال زيف واضح أو تزوير فاضح؟، منذ متى يمكن أن تعبر الشعوب عن إرادتها في ميادين الأوهام والمشاريع الفنكوشية، فتهدر المال والطاقة والجهد بلا طائل وبلا عائد، إن هذه المشاريع الفنكوشية تجد سندها في ذلك المشروع الأول في التعاطي من عبد العاطي مع مشروع مكافحة الإيدز والوباء الكبدي، بجهازه اللامع الرهيب الذي يقضي على كل الأمراض في غمضة عين، بل يجعلها غذاء "الكفتة"، وبدا هذا الأمر يبشر به هؤلاء على طريقة عبد العاطي الذي أعطوه رتبة لواء اعتبارية زائفة ليكون المشروع كله زيفا في زيف لا تجد له من أصل.

فإذا قيل لهم إن ذلك ليس علما يستند إليه، قالوا حتى لو كان ذلك "احترم البدلة"، هذا هو حال الأوهام التي نعيشها بعد منظومة الانقلاب في عهد السيسي يفعل الزيف ويسميه إنجازا ويزور الحقائق ويشفعها بقسم بعد قسم، ويقتل الناس ويطاردهم ويعتقلهم، ثم يتحدث عن الحريات وحقوق الإنسان، ما هذا الرجل الذي صار يمارس دجله بإفك مركب، يحاول أن يهدم كل منطق، وتخرج منه الكلمات لا يمكن أن تنتمي إلى إطار المقبول أو تقع في دائرة المعقول، يوهم الناس ويبتز أموالهم ويقدم لهم الأوهام، وبعد ذلك يتحدث عن إنجازات قومية ليس لها من نظير، أبعد من هذا يخرج إعلام إفكه ليقرر أنه بعد كل تلك الإنجازات الوهمية الزائفة، فإن الشعب سيخرج مطالبا له بأن يتولى فترة رئاسة ثانية في انتخابات رئاسية قادمة، وهم على وهم، وإفك في إفك، وتزييف في تزوير، وافتراء ليس له مثيل، على شعب مصر أن يستيقظ من غفلته وأن ينهض لمواجهة هذا الدجال ونصبه فما عاد الوطن يحتمل فائض ظلمه وأساليب تخريبه ونصبه ودجله واحتياله.. أفيقوا يرحمكم الله.
التعليقات (0)