كتاب عربي 21

بين لبنان الإيراني ولبنان السعودي

نزيه الأحدب
1300x600
1300x600
يدرك اللاعبون السياسيون اللبنانيون "الوازِنون" أن بلدهم الوديع ليس في دماغ أحد حالياً من اللاعبين الكبار على المستوى الدولي، لكنه استثمار جيد وأقل جودة بالنسبة لأطراف إقليمية لا سيما منها السعودية وإيران. 

ترى طهران في بيروت نموذجا نشطا وحيويا لعواصم نفوذها العربية، ومنطلقا لأهم قوة عسكرية عربية موالية لها من حيث التنظيم والفعالية، أي حزب الله. ومختبراً لحوار "الجمهورية الإسلامية" مع حضارات وحيثيات أخرى في المنطقة، وقبل ذلك كله خطاً حدودياً متقدماً مع الكيان الإسرائيلي مفتوحاً على خيارات السلم والحرب التي تتطلبها المراحل. وما أنفقته إيران على الحزب وحلفائه في لبنان لم يذهب سُدى، بل أتى ويؤتي أُكُله وزيادة.

أما الرياض فتعاملت دائماً مع لبنان على خطّين، الدولة والحلفاء. وبما أن الدولة في لبنان متحركة بعكس معظم المحيط، فلا رئيس مؤبّداً ولا بنية حكمٍ عميقة، فإن البناء على علاقات مع مؤسسات الدولة لا يُصرف في السياسة ولا في تثبيت نفوذ خارجي. على الخط الموازي فإن السعودية تحظى بولاء تيار المستقبل وكتلته البرلمانية التي تجمع معظم نواب المسلمين السُنة إضافة إلى نواب آخرين، كما ترتبط أطراف لبنانية أخرى ولا سيما ذات اللونَين اليميني المسيحي واليساري الدرزي بعلاقات ودية مع دوائر المملكة. إلا أن ما أنفق على الكثير من الحلفاء والأصدقاء لم يؤسس لأي نفوذ سعودي في لبنان، بل على العكس ربما تسبب بكثير من الإرباك في غير مناسبة. 

تنظر إيران إلى وكيلها السياسي في لبنان السيد حسن نصر الله على أنه الأمثولة والقدوة الذي تريد أن يتأسى به أتباعها من قادة الشيعة العرب، ولقد حاولت دون جدوى استنساخ شبيه له في اليمن وآخر في العراق، إلا أن هذه الشخصيات فشلت في اختبار الكاريزما على الأقل.

تتعامل السعودية مع رجلها الأول في لبنان، رئيس الحكومة سعد الحريري، على أنه ابن الكبير رفيق الحريري الذي أخلص للمملكة، إلا أنه ليس سرا أن المقارنة بين جهوزية الشخصية القيادية لدى كل من الأب والابن أتعبت الإبن في كثير من الأروقة ولا سيما السعودية التي لم تتعاط مع سعد الحريري في السنوات الأخيرة كمعتمد قوي أو حصريٍ لها. فضلاً عن أن المملكة لا تعتمد  مبدأ الوكلاء لسياستها في الخارج. 

بغض النظر عن ظروف نشأة حزب الله وقائمة المؤسسين ومدارسهم الفكرية، إلا أن الحزب اليوم هو بالنسبة لإيران لا يختلف عن الحرس الثوري الإيراني من حيث العقيدة والفكر والإلتزام والتبني والدعم والتكليف. وقد أثبت الطرفان في حروب "الربيع العربي" القائمة الوفاء بالتزاماتهما المتبادلة فيما بينهما.

لا تحبذ الدوائر السعودية التعاطي مع تيار المستقبل كحزب بعقيدة سياسية، وذلك عائد لطبيعة السياسة الخارجية للمملكة التي لا تقوم على معايير الإيديولوجيا السياسية بل على المصالح العامة والولاءات الفردية والعائلية. وبالتالي فإن تيار المستقبل سعودياً يعني عائلة الحريري تماماً. 

لم يستطع بعض المسؤولين الإيرانيين من الصفّين الثاني والثالث كتمان أن بيروت هي إحدى عواصم الأمبراطورية الفارسية الجديدة وفق رؤيتهم، ومِثل هذه التصريحات لم يتسبب بكثير من الإحراج لحزب الله وحلفائه، وحجتهم في ذلك أن لبنان ما زال يعاني من الاحتلال الإسرائيلي لجزء من أرضه، وأن مقاومة الاحتلال وإرساء معادلة توازن الرعب يحتاجان إلى دعم قوي لم يوفره أي طرف خارج محور الممانعة بقيادة إيران.

في المقابل لا يتغنى المسؤولون السعوديون بأي امتداد لمملكتهم في بلاد الأرز، ولم تبتعد السياسة الخارجية السعودية حيال لبنان يوماً عن الرؤية الدولية وفق المنظار الأمريكي تحديدا. وبالتالي لا يوجد مشروع سعودي في لبنان، بل أكثر من ذلك فقد أثبتت السنوات الأخيرة عدم وجود جهوزية سعودية أو عربية بشكل عام لمنع تحوّل لبنان إلى مشروع إيراني. ويُعتقد أن هذه الحقيقة أدركها الجميع، ولذلك يترأس سعد الحريري اليوم حكومة شراكة مع حزب الله وآخرين.. وهذا عين العقل إذا كان الهدف هو إخراج لبنان من عين العاصفة. 
التعليقات (1)
النقيب
الجمعة، 02-06-2017 06:01 م
احسنت الوصف