قضايا وآراء

وثيقة حماس الأخيرة.. هل هي الخطوة الأولى؟

محمود عبد الله عاكف
1300x600
1300x600
لقد أصدرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" - وهي إحدى المنظمات الفلسطينية وتم تأسيسها عام 1987- منذ عدة أيام، ما أطلق عليه بوثيقة المبادئ والسياسات العامة للحركة.

وقد تم تأسيس الحركة في بدايات الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993)، وهي ما أطلق عليها انتفاضة أطفال الحجارة. والحركة كما يبدو من الاسم؛ أنها حركة مقاومة وليست حركة تحرير – تم إضافة مصطلح "تحرر" على الوثيقة الأخيرة منذ يومين - بمعنى أنها تلتزم بالمقاومة حتى تحقق أهدافها، ولا تستهدف التحرير إذا كان منقوصا في تحقيق الأهداف. وميثاق الحركة عند التأسيس أكد ذلك في المادة الثالثة عشر، عندما قال: "تتعارض المبادرات، وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية، مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية، فالتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين، فوطنية حركة المقاومة الإسلامية جزء من دينها، على ذلك تربى أفرادها، ولرفع راية الله فوق وطنهم يجاهدون".. أي أن عقيدة الحركة تقوم على ثوابت أساسية أهمها عدم التنازل عن أي شبر من فلسطين، وأن الوطنية والوطن جزء من الدين بحيث تم التأكيد على أن الأصل إقامة الدين وليس تحقيق التوافق الوطني.

لقد تناولت الوثيقة الجديدة العديد من القضايا والتي استغرقت مناقشتها أربع سنوات، كما ذكر رئيس المكتب السياسي، وأن صياغتها استمرت عامين مع استشارة الخبراء القانونيين والإداريين والاستراتيجيين حتى تصدر بالشكل الذي صدرت به. والوثيقة تناولت ما يزيد عن أربعين بندا توضح فيه حركة المقاومة الإسلامية موقفها وآراها تجاه العديد من القضايا المطروحة، سواء على الساحة الفلسطينية او العربية و الإسلامية أوالدولية. فنجد أنها أعادت تعريف من هو العدو الذي تعمل على مقاومته، ولكنها أكدت على أنها حركة "معتدلة"، كما ذكر رئيس المكتب في إجابته على احد الأسئلة. كما تناولت النظام السياسي في فلسطين، ودور منظمة التحرير والتأكيد على أهميتها والمحافظة عليها، وأن الخيار الديمقراطي هو جزء مما تؤمن به الحركة. كما أكدت الحركة في الوثيقة الأخيرة على رفضها المساس بالمقاومة وسلاحها وآلياتها، وأن إدارة المقاومة هي جزء من إدارة الصراع، ولكن ليس على حساب المبدأ. ثم تناولت الوثيقة عددا من البنود بخصوص سلطة الدولة التي تتطلع لها الحركة، وأنها تكون في خدمة الشعب ومستقلة في قرارها، وتناولت مشاركة مكونات المجتمع في العمل السياسي، وركزت على دور المرأة، وهذا من البديهيات في تحديد الأدوار والعلاقات لمكونات أي دولة. وختمت الوثيقة بعدد من البنود المكررة الخاصة بالأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي.

وفي هذه المقالة، سوف أتناول ثلاث نقاط بخصوص تلك الوثيقة الأخيرة، الأولى من حيث الشكل، والأخريان من حيث المضمون.       

لقد تم إصدار وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس من أجل تحديد مواقف الحركة وتصورها القادم بشأن القضايا التي تناولتها الوثيقة، بمعنى أن الوثيقة تم إعدادها خلال السنوات الماضية، ولكن تفعيلها وتنفيذها سيكون في الأعوام القادمة. وإذا كانت حركة حماس بصدد استحقاق انتخابي يتم فيه تغيير القيادة الحالية، وأننا بصدد رؤية قيادة جديدة خلال أيام إن شاء الله، فكان من الطبيعي والمنطقي أن يتم الإعلان عن الوثيقة ومحتوياتها من خلال القيادة الجديدة للحركة وليس من القيادة المنتهية ولاياتها. بالتأكيد، شارك الجميع في إعداد الوثيقة، ولكن أتصور أنه كان من الأفضل أن يعطى للأخوة في القيادة الحديدة الفرصة في وضع اللمسات الأخيرة قبل الإعلان عن الوثيقة وإصدارها؛ لأننا كما نعلم فإن قيادة أي حركة أو منظمة أو حتى حزب سياسي تكون هي المسؤولة عن تنفيذ ما يصدر عن حركتها أو حزبها من وثائق، خصوصا إذا كانت معنية بالمبادئ والسياسات العامة. ومهما كانت آليات الشورى واتخاذ القرار، فإن القيادة العليا للمنظمة دائما ما تكون لها الكلمة الأخيرة في مثل هذه الوثائق وتقوم بالتعديل عليها. لذلك لم يكن من المنطقي أن يتم الإعلان عن الوثيقة من القيادة الراحلة، وأنه لم يتم الانتظار لبضعة أيام – مع أنهم انتظروا أربع سنوات - من أجل تحديد القيادة الجديدة والتي ستكون مسؤولة عن تنفيذ هذه الوثيقة وملتزمة بها.

كما أنه من غير الواضح السبب في قيام القيادة المنتهية ولايتها بالإعلان عن الوثيقة. بالطبع، هذا الجهد تم في عهدهم جزاهم الله خيرا جميعا، ولكنني أتصور أن مثل هذه الحركات والدعوات لا يبحث الأفراد فيها، وخصوصا المسؤولون، عن مجد شخصي لهم، كأن يقال تم في عهد فلان هذا العمل أو هذا الجهد، أو حتى هذا النصر. فهذه الدعوات هي دعوات لله، يبحث المنتمون إليها، فضلا عن قيادتها، ويتطلعون إلى رضا المولى عز وجل، ولا يبحثون عن مغنم دنيوي أو شهرة. لذلك كان من المستغرب أن يتم الإعلان عن الوثيقة، وهي تتناول الكثير من القضايا الشائكة في الملف الفلسطيني، كما سوف نتناول في النقاط التالية، قبل تولي القيادة الجديدة مسؤولياتها. وكأن الرسالة هي أن هذه الوثيقة التي تحدد المبادئ والسياسات العامة التي سوف تسير عليها الحركة في المستقبل؛ يجب أن تسير عليها القيادة الجديدة التي سوف تعلن خلال الأيام القليلة القادمة. بمعنى أن هذه الوثيقة هي مفروضة على القيادة الجديدة، وأنها يجب أن تلتزم بها، وأن إخراج هذا الجهد والعمل بهذا الشكل قد جانبه التوفيق والصواب؛ لأنه كان من الأولى أن تتاح الفرصة للقيادة الجديدة بالنظر في الوثيقة ووضع اللمسات الأخيرة عليها، سواء بالحذف أو الإضافة، وحتى وإن لم تعدل عليها، وأن تقوم هي بإعلانها للعالم ليكون ذلك باكورة عملها ونشاطها.

عندما صدر ميثاق حركة المقاومة الإسلامية حماس عام 1987، أكد في المادة الثانية من باب التعريف بالحركة ما نصه: "حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة، في التصور والاعتقاد، في السياسة والاقتصاد، في التربية والاجتماع، في القضاء والحكم، في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام، في الغيب والشهادة، وفي باقي مجالات الحياة". وأكد الميثاق على أن الحركة هي امتداد لجهاد الإخوان المسلمين في فلسطين منذ عام 1936 وحتى العمليات الجهادية للإخوان المسلمين في 1968 وما بعده. وفي ختام التعريف في المادة الثامنة، نص على أن شعار الحركة هو "الله غايتها، والرسول قدوتها، والقرآن دستورها، والجهاد سبيلها، والموت في سبيل الله أسمى أمانيها"، وهو كما نعلم شعار جماعة الإخوان المسلمين. وفي الوثيقة لم يذكر اسم الإخوان المسلمين من قريب أو بعيد، بل تم تأخير مصطلح الإسلام ليكون بعد التحرر (لم يكن مذكورا في الميثاق) والوطنية والفلسطينية، وفي نهاية البند ذكر أن الإسلام مرجعية.

هذا التغير الواضح، والاختلاف في التوجه والمبادئ، هل هو مقصود، وبالتالي هناك تغيير في عقيدة الحركة؛ لأنه اكد في الميثاق في مادته الأولى أن الإسلام منهجها ومنه تستمد أفكارها وتصوراتها ومفهيمها، ولم يكن مجرد مرجعيه؟ وهل هذا التغير نتيجة التطور الذي ركز عليه الأخ مسؤول المكتب السياسي في المؤتمر الصحفي، وأن الحركة متطورة وتساير التطور العالمي وليست حركة جامدة متزمته، وهو ما اعتبره أنه من مميزات حركته؟ وهذا في حد ذاته انتكاسة لحركة حماس؛ لأن الحركة التي تغير عقيدتها في هذا المدى الزمني القصير ليست بالحركة الجادة؛ لأنه من الممكن أن تغير الحركات والجماعات والمنظمات من آليات حركاتها وأساليب عملها مع التغير الذي يحدث كل يوم، بل إنه من المفروض عليها ذلك لكي تواكب المستجدات التي تتغير كل ساعة في عالمنا المعاصر، ولكن أن تغير من عقيدتها ومبادئها فهذا ليس منطقيا ولا مقبولا من حركة كانت تدعي أنها حركة إسلامية في منهجها وأفكارها وتصوراتها، وأحسب أنها كانت كذلك. وهذا يعود بنا إلى النقطة الشكلية التي أثرتها سابقا.

الجانب الآخر في هذه النقطة، وهو ما يتعلق بالعلاقة بجماعة الإخوان المسلمين، فكما ذكرت، لم تذكر في الوثيقة الأخيرة من قريب أو بعيد، وهذا أثار بعض الحاضرين في المؤتمر الصحفي، فتساءلوا: أين هي العلاقة بين حركة حماس وتنظيم الإخوان المسلمين، والتي أكد عليها الميثاق عند تأسيس الحركة، فأجاب الأخ مسئول المكتب السياسي بأن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هي حركة تنتمي فكريا لفكر الإخوان المسلمين وليست على علاقة تنظيمية معها. وهذا أيضا غير منطقي؛ لأن الميثاق كما ذكرت يؤكد على أن الحركة جناح لتنظيم الإخوان المسلمين العالمية. إذن، فالحركة تعلم أن الإخوان المسلمين هي تنظيم عالمي وليست تيارا فكريا، مثل التيار القومي أو التيار الناصري أو الليبرالي، وغير ذلك، ولكنها جماعة منظمة، وهي موجودة على مستوى العالم ومعروفة للجميع، الأعداء قبل الأصدقاء، فليس من المنطقي ولا من باب رد الجميل أن يتم التنكر لدعوة الإخوان المسلمين بهذا الشكل، ولما قدمته لقضية فلسطين على مدى العقود الماضية ومنذ تأسيسها، وذلك كما ذكر ميثاق تأسيس الحركة. ولا أتصور أن هذا الموقف من حركة حماس وقيادتها المنتهية ولاياتها هو من منطلق التورية والمداراة، أو هو لمراعاة النظام المصري من أجل فتح معبر رفح لعبور القيادة الجديدة.

النقطة الثانية التي أرى أن التوفيق قد جانب الإخوة في حماس بعرضها بالوثيقة الأخيرة، وهي ما ذكر في البند العشرين، وخصوصا الفقرة الثانية من البند، ونصها "ومع ذلك - وبما لا يعني إطلاقاً الاعتراف بالكيان الصهيوني، ولا التنازل عن أيّ من الحقوق الفلسطينية - فإن حماس تعتبر أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة". والفقرة بدأت بكلمة "ومع ذلك"، وهي تفيد نقض ما قبله، وكأنه غير موجود، وهو عدم التنازل عن أي جزء من الأراضي الفلسطينية. والسؤال المطروح هو: هل يعتقد الإخوة في حماس أو يرون أن هذا البديل، وهو إقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967؛ بديلا يمكن تحقيقه؟ وأتصور أن الإخوة في حماس من  الفهم والذكاء بحيث هم متأكدون من أن هذا البديل غير مطروح الآن ولن يكون مطروحا في المدى القريب والله أعلم - لأنه لو كان غير ذلك فيجب عليهم المراجعة - فلماذا إذن تمت إضافة هذه الفقرة للبند العشرين؟ هل هناك اتفاقيات غير معلنه وطُلب هذا الطلب من القيادة المنتهية ولاياتها، وخصوصا أنه تم التركيز عليه خلال المؤتمر الصحفي وما تلاه من تغطيات إخبارية؟

إن الوضوح والصراحة هما السمتان الأساسيتان في نجاح أي عمل، بالإضافة لفكرة العمل ومنهجه وحركة المقاومة الإسلامية – لم تذكر فلسطين في الاسم - هي من الحركات التي نحسبها صادقه في توجهها مخلصة في أدائها، ولذلك فتح عليها المولى عز وجل خلال هذه الأعوام القليلة، وانتشرت في كافة بقاع الأرض. ومن يشاهد المؤتمر الذي عقد في إسطنبول بخصوص الفلسطينيين في الخارج يدرك ذلك. كما لا ينكر أحد أن دعم جماعة الإخوان المسلمين وتبنيها للحركة على مدى السنوات الماضية؛ ساهم في ذلك الانتشار والتوسع. لذلك، فإن الحركة وقيادتها الجديدة في حاجة إلى مراجعة الوثيقة التي صدرت، وتعديلها بما يتلاءم مع ميثاق التأسيس؛ لأنه هو الأساس الذي قامت عليه الحركة، واكتسبت من خلاله الزخم والتأييد والشعبية التي تتمتع بها الآن، أو أن تعلن أن الوثيقة الأخيرة تجب ما قبلها وأن الميثاق الأول تم إلغاؤه بشكل واضح وصريح، وأن الحركة الآن أصبحت حركة تحرر تستهدف الوفاق الوطني، وأن الإسلام أصبح مرجعية وليس منهاج عمل، وأن جماعة الإخوان هي تيار فكري عام وليست تنظيما عالميا. وهذا الوضوح والصراحة ليس عيبا، بل مطلوب حتى نحقق الصدق مع الله أولا ثم مع أنفسنا. وليكونوا على يقين أن هذه الوثيقة الأخيرة ستكون هي الخطوة الأولى في طريق التنازلات، أو كما كان يشبهها أحد الإخوة الكرام؛ بأنها الخطوة الأولى على طريق "الزحلاقة".

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
التعليقات (0)