كتاب عربي 21

"دعشنة" الإسلاميين.. هل نعرف ما الثمن؟

مصطفى النجار
1300x600
1300x600
موجات متتالية من الهجوم على الإخوان تأخذ شكلا جديدا يهدف للربط بينهم وبين داعش، الحملة لم تقتصر على الأبواق الإعلامية الموالية للسلطة؛ بل انضم لها رجال دين رسميين منهم وزير الأوقاف الذي لا يمر يوم وتنهال تصريحاته السياسية التي كان منها أن الإخوان وداعش وجهان لعملة واحدة وأنهما متورطان في جهاد النكاح، وتصريحات أخرى لا يفهم أحد لماذا تصدر عن رجل دين ينبغي ألا يكون له علاقة بالسياسة.

(دعشنة الإخوان) صارت ظاهرة يمكن رصدها في أخبار و مقالات سطحية امتلأت بها الصحف مؤخرا، وعبر برامج فضائية تجتهد وتبذل جل جهدها لإيهام الجماهير أن الإخوان هم داعش وهم أنصار بيت المقدس وهم التكفيريون المسلحون بشتى صورهم.

من المضحك أن داعش نفسها ترى أن الإخوان مرتدون ينبغي قتالهم، وسبق أن قالوا أنهم إذا دخلوا مصر سيبدأون بقتل المرتد الأكبر محمد مرسى ! بل الأكثر من ذلك تكفيرهم لحركة حماس بفلسطين، واعتبارها أيضا عدوا ينبغي قتاله، لذلك كان المشهد الأكثر عبثية أن نسمع أصواتا في مسيرة لأنصار الإخوان بشرق القاهرة الجمعة الماضية تهتف (داعش اوووه داعش)، فلم نجد في التاريخ من يهتف لأجل من يتوعدونه بالقتل ولكن الجهل وانعدام الرؤية يفعل أكثر من ذلك!.

من الخطير للغاية حالة الخلط بين التيارات الإسلامية واعتبارها اتجاها واحدا، على رأسها عصابات داعش وكل الميلشيات التكفيرية المسلحة التي تقتل الآن باسم الدين، وتمارس التخريب في البلاد العربية تحت زعم نصرة الشريعة.

هناك خمسة محددات ينبغي الإشارة إليها ونحن نحلل ظاهرة (دعشنة الإسلاميين).

أولا: الإسلاميون في المنطقة العربية لم يكونوا أبدا نسيجا واحدا ولا مدرسة واحدة، والخلافات الجذرية بينهم تصل بالفعل لمرحلة التكفير، والتعامل معهم على أنهم شيء واحد يمثل حالة تسطيح وخبل تضر ولا تفيد.

ثانيا: ظاهرة داعش صارت جاذبة لقطاعات من الشباب؛ تحت تأثير الهوس الديني لبعضهم وتأثير القمع وفقد الأمل في المسار السياسي السلمى في بلادهم للبعض الأخر، وإذا تعاملنا مع الظاهرة من معيار التسويق والجمهور المستهدف لداعش، فإن المنتمين للتيارات الإسلامية التي مارست السياسة ثم كفرت بها هم الجمهور الأقرب للانضمام لداعش وأخواتها، والأمر لا يتطلب سوى تغيير بعض القناعات عن السلمية وتكفير المخالفين واستحلال دماءهم، مع بُهارات حلم الخلافة الإسلامية المزروع أصلا في جينات الإسلاميين، واستغلال حالة القمع الحالية وانسداد الأفق لتجنيد اليائسين والمحبطين والراغبين في الانتقام من الأنظمة التي قمعتهم، وإذا راجعت فيديو أنصار بيت المقدس الأخير الخاص بعملياتهم في سيناء ستجد أن مضمون الخطاب في أغلبه كان موجها للإخوان والسلفيين للانضمام للتكفيرين وحمل السلاح واستعمل المتحدث كل الاستمالات العقلية والعاطفية والشرعية لتحقيق ذلك.

ثالثا: جماعة الإخوان المسلمين في مصر في حالة (ترنح)، والجسد الضخم يفقد تدريجيا السيطرة على الأطراف، والأطراف صارت الأعلى صوتا وغضبا وتضطر القيادة لمسايرتها خوفا من فقدها، والمشكلة الأكبر أن كلا الرأس والجسد بلا رؤية ولا استراتيجية مستقبلية؛ وإنما يضربون رؤوسهم في الحائط بعد أن نجح فشلهم وعدم إدراكهم للواقع في جعل الصراع صراع صفري بامتياز، وفى المقابل لا تقدم السلطة أي منفذ للإخوان للخروج من ورطتهم وإعادة إدماجهم سياسيا ومجتمعيا؛ بل تتواصل حملات الملاحقة والتعنت في ملف المعتقلين والقبض على وجوه معتدلة مثل الدكتور محمد على بشر وغيره من الذين كانوا ربما يستطيعون أن يكونوا مفاتيح للحل، مما يعطى الفرصة لتيار التشدد للتأكيد على صحة وجهة نظره، وإكمال المعركة بنفس الأدوات والطرق التي ثبت عدم جدواها، وقادت الإخوان لأصعب لحظة تاريخية منذ تأسيس الجماعة.

رابعا: تنظيم الإخوان تنظيم قاعدي له هيكل إداري يشبه الهيكل الإداري للدولة المصرية، ورغم ترنح التنظيم واهتزازه إلا أنه ما زال يمتلك الانتشار الجغرافي والحاضنة الشعبية المعقولة في عدد من المحافظات والمناطق. ولو افترضنا أن عدد الإخوان كان 900 ألف عضو طبقا لما نشرته جريدة الأهرام في 2005، نقلا عن مصادر سيادية حينها، فإن الواقع يقول أنه يوجد الآن على الأقل نصف مليون ينتمون لتنظيم الإخوان، وهم موزعون على كل مكان في مصر؛ في قراها ونجوعها ومدنها.

واذا تخيلت أن نصف هذا الرقم أو حتى ربعه قد استجاب للنداء الداعشي وقرر حمل السلاح – وما أسهل الحصول على سلاح في مصر الآن – فإننا سنكون أمام ميلشيا مسلحة لا تقل عن 100 ألف شخص، غير محصورين في منطقة معزولة يسهل حصارها مثل سيناء؛ بل يعيشون بين الناس ويمكنهم إدخال البلاد في حرب أهلية دامية تفوق مرارة ووحشية العشرية السوداء في الجزائر، وهذا ليس تخويفا، ولا افتراضا ساذجا، بل هذا افتراض ممكن، ويعلم خطورته صناع القرار بالسلطة، الذين يعلمون علم اليقين أن الإخوان لم يأخذوا حتى الآن قرارا بحمل السلاح بشكل تنظيمي، وكل المناوشات التي تحدث بالمسيرات والجامعات وكل أشكال العنف التي شهدناها الفترة الماضية لا تعد شيئا إذا تحول التنظيم الأضخم إلى تنظيم مسلح يعلن الحرب على السلطة، التي ستدخل حينها معه في حرب مفتوحة في معركة وجود ستحرق الأخضر واليابس.

خامسا: هناك تنظيم أو (شبه تنظيم) لم يتابع أحد أين ذهب وكيف تطور به الحال وهم أنصار الشيخ حازم أبو إسماعيل المعروفين بحازمون، وهؤلاء كانوا يملأون الدنيا جلبة وصياحا قبل ذلك، ومع سقوط حكم الإخوان واعتقال الرجل بدا أنهم اختفوا ولكن الحقيقة أنهم موجودون، لأنهم لم يكونوا تنظيما بل تيارا فكريا يميل للتشدد، وعدد منهم قد سافر لسوريا والعراق وليبيا وانضم للجماعات التكفيرية، وأعداد أخرى غير محصورة ولا تحت المتابعة كأفراد هم مرشحون محتملون للتحول للعنف والتكفير في لحظة ما.

نحن أمام لحظة شديدة الخطورة، تحتاج لصوت عقل وحكمة يقرأ تفاصيل المشهد بدقة بعيدا عن الخبل الإعلامي والتحريض الأحمق والتسطيح المتواصل. دعشنة كل الإسلاميين والضغط عليهم لحمل السلاح لن تكون في صالح أحد، والقبضة الأمنية وحلولها القاصرة تفاقم الأزمة وتعرض المستقبل لخطر داهم.

ليس من مصلحة الوطن أن يتحول الإخوان إلى داعشيين وليس من مصلحة جماعة الإخوان كمشروع يقدم نفسه نموذجا للإسلام المعتدل أن يترك أبناءه يتحولون تحت وطأة اليأس والإحباط وفقدان الأمل إلى تكفيرين يحملون السلاح.

هناك لحظات تمثل خطرا على الجميع وعلى رأسهم السلطة وجماعة الإخوان، والكل معرض لفقدان السيطرة وانفلات زمام الأمور من بين يديه، مهما بدا له غير ذلك، وهذا لعب بمصير الوطن ومقامرة على مستقبله، التعقل واجب لأن السواد الحالي قد يكون ضياء مقارنة بما سنلقاه من سواد قادم ودماء إذا تحول كل الإسلاميين إلى داعشيين!. 

ملحوظة: هذا المقال لا يضع دعوة التظاهر يوم 28 نوفمبر محل اعتبار وإنما يتحدث عن مشكلة واضحة وخطر حقيقي غير مرتبط بفعالية أو دعوة معينة.
التعليقات (0)